الرئيسيثقافةغير مصنف

رواية شرف لصنع الله ابراهيم: ملامح الاستبداد والانتهاكات في النظام المصري 

سلسلة ادب السجون

 

السياسة والفن الروائي متلازمان في المدونة الروائية المتفردة للكاتب المصري الشهير صنع الله ابراهيم  ومن السياسة يتفرع ادب السجون الذي برع فيه كاتبنا.

والذي ننتقي منه رواية شرف التي صدرت اواخر التسعينات وتبوأت المرتبة الثالثة ضمن قائمة المائة رواية عربية.

ونلج هذه الرواية المنتمية الى أدب السجون من باب عنوانها الحامل لدلالات كثيرة وهو الاسم الذي اختاره صنع الله ابراهيم لبطله الطالب الجامعي اشرف الذي دأبت والدته على مناداته بشرف  من قبيل التدليل وهو الذي لا يعرف الكثير عن العالم الذي يحيطه فهو لا يتجاوز المظاهر الخارجية البراقة في اغلب الاحيان وهو قطعا لا يعلم الكثير عما يدور في بلده حتى يدخل السجن.

 

 

ويخصص الجزء الأول من الرواية لتجربة شرف الشاب المدلل الناعم ذي العود الاخضر في السجن وقد قادته جريمة قتل ” خواجة ” اي احد الاجانب الذي  حاول هتك عرضه الى ولوج هذا العالم المظلم لكن من خلال عتمة الزنزانة يكتشف شرف كل الحقائق دفعة واحدة ويدرك انه عمق جهله بما يحدث في بلده.

اذن تفتح جريمة قتل السائح الاجنبي ” جون” باب السجن لشرف وباب الذهول امام العوالم الخفية التي يتيح السجن انكشافها دفعة واحدة.

ومن خلال الاحداث التي تدور مجملها   في السجن يفضح صنع الله ابراهيم كل مظاهر الحيف والفساد والاضطهاد وكل الانتهاكات والاخلالات التي يعج بها المجتمع المصري. حيث يغيب الانتماء الى الوطن مقابل الولاءات الشخصية.

كما يفضح ابراهيم اشكال توظيف القانون لصالح الاقوياء ومظاهر غياب الشرف الذي منه استمد العنوان في مفارقة عجيبة لشرف الذي ارتكب جريمة قتل لمن حاول انتهاك شرفه ولكنه يدرك بعد دخوله السجن ان وطنا بأكمله منتهك العرض والشرف.

وبهذا المعنى تعد رواية شرف من اجرأ الروايات العربية التي تطرقت الى مواضيع السجن والقضايا السياسية اجمالا.

 

 

هذا على مستوى المضمون اما بالنسبة للشكل فيواصل صنع الله ابراهيم اعتماد تقنية سردية شائكة وبالغة التعقيد مجتهدا في الجمع بين السرد والتوثيق والتناص وهو ما عرف به في مدونته السردية التي يعمل على تطويرها باستمرار.

اذن وبالعودة الى فحوى رواية شرف يمكن القول انه بمثابة التوثيق من ناحية للانتهاكات الكبيرة التي يمارسها النظام المصري ومن ناحية ثانية للتحولات العميقة التي يعيشها المجتمع في مصر.

 

 

فمن خلال شخصية شرف او اشرف عبد العزيز سليمان ابن الطبقة المتوسطة التي تم تشويهها وتدميرها بالانفتاح الاقتصادي الذي قام به نظام السادات وظهرت مساوئه بشكل صادم في حقبة مبارك تنكشف لنا كل مظاهر الفساد والرشوة  وانتهاك حقوق المواطنين التي قادت الى الاحباط النفسي التي انعكست من خلال عالم السجن الذي ولجه هذا الشاب والذي تتضح فيه ملامح نماذج من المظلومين والمضطهدين الذين تخلت عنهم العدالة بسبب حالتهم الاقتصادية وتخلى عنهم القانون الذي يتحكم فيه الاقوياء ويوظفونه لصالحهم.

واذا كان الجزء الاول من الرواية المخصص لحكاية ضرف يبدو سرديا وصفيا فإن الجزء الثاني تطغى عليه تقنية التوثيق وفيه رصد لحكاية الدكتور  رمزي السجين المتهم في قضية رشوة ويوثق الكاتب للجرائم التي ترتكبها كبريات الشركات العابرة للبلدان في حق الشعوب والاوطان.

ومن اهم ما جاء في رواية هو اعتماد صنع الله ابراهيم في الجزء الثالث من رواية شرف على تقنية اخرى تتمثل في ادغام مسرحية قام بتاأليفها احد ابطاله لتعرض داخل السجن في مناسبة ذكرى انتصار 6 اكتوبر 1973 وفيه يستعرض كاتبنا مختلف المراحل السياسية بدءا بحكم عبد الناصر ومرورا بالسادات وانتهاء بمبارك والتحولات العميقة التي عاشها المصريون.

وهنا نلحظ ان صنع الله ابراهيم ينحاز الى فكرة اعتماد النظام المصري مهما اختلف راسه على الاضطهاد وانتهاك حقوق الانسان مهما كان الاختلافات جوهرية بين نسق سياسي واخر. وكأنه يؤكد ان قدر المصريين هو الاستبداد والانتهاك وهذا يمكن ان يكون تساؤلا مركزيا خاصة اذا نظرنا لما تلا المرحلة التي قاربها صنع الله ابراهيم في روايته شرف.

وايضا النظر الى الملاحقات التي تعرض لها هذا الكاتب الجريء في ظل مختلف الانظمة والاضطهاد والقمع الذي عانى منه.

ويحاول الكاتب في هذه الرواية تسليط الضوء على جوانب انسانية للمساجين الذين شاءت الاقدار ان يلجوا عالم الزنزانة ويظل ابراهيم وفيا للنهايات المفتوحة في رواية شرف على غرار رواية اخرى شهيرة له وكأنه يعلن متشائما ان لا امل في التغيير لهذه المنظومة الفاسدة التي تحكم مصر منذ عقود.

 

 

ويجدر القول ان رواية شرف ليست الاولى التي قارب فيها صنع الله ابراهيم عالم السجون وطرح من خلالها القضايا السياسية بمنتهى الجرأة فقد اخلص لهذه التيمة منذ كتاباته الاولى كما التبست مسيرته الحياتية بالفعل النضالي وهو الذي سجن لمدة خمس سنوات في زمن عبد الناصر.

ويمكن القول ان هناكة ارتباطا وثيقا بين سيرته الذاتية وكتاباته الابداعية وثمة تشابك ملحوظ بين التاريخ السياسي المعاصر لمصر وبين مراحل حياة هذا الكاتب المولود في القاهرة عام 1937 واعتبر واحد من المع الكتاب ليس في جيل الستينات فحسب وانما في تاريخ الابداع الروائي المصري والعربي عموما.

ومن ابرز اعماله السردية نذكر روايات اللجنة وذات وبيروت ووردة ثم امريكانلي ثم التلصص والعمامة والقبعة والجليد ونجمة اغسطس وبرلين 69.

وفي مجال القصة القصيرة كتب صنع الله ابراهيم تلك الرائحة والثعبان وابيض وازرق . كما كتب سيرته الذاته في نص وسمه مذكرات سجن الواحات.

ورغم ان صنع الله ابراهيم درس في البداية الحقوق  لكنه سرعان ما انزاح الى الصحافة والسياسة. وعايش جل الحقبات السياسية المعاصرة في مصر بدءا بالمرحلة الملكية وما تلاها من انظمة عبد الناصر والسادات ومبارك.

وقد استفاد كثيرا من اقامته لمدة ثلاث سنوات عمل خلالها في مجال صناعة الافلام ودراسة التصوير السينمائي في مجال تقنيات الكتابة السردية.

تماما كما كان لوالده وجده الاثر الكبير في سعة اطلاعه اذ زوداه بامهات الكتب وهو ما جعل شخصيته الادبية تتبلور في سن مبكرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد