دين وحياة

“الخلوة”..الوحدة التعليمية الرئيسة لتحفيظ القرآن الكريم في السودان منذ مئات السنين

 

تعتبر الخلوة في السودان من أكبر المنارات الدينية، التي ساهمت في نشر الدين الإسلامي وتحفيظ القرآن وتجويده، إضافة إلى تعليم مبادئ القراءة والكتابة.

بالاضافة إلى أنها أساس المعرفة والعلم وتنشئة الأجيال وهي المدرسة الأولى التي يلتحق بها طلاب العلم والمعرفة، يتعلّمون فيها القراءة والكتابة، ويحفظون القرآن الكريم، ثم يكون تعلّمهم العلوم الأخرى بعد حفظهم لكتاب الله الكريم.

وعرّف الدكتور سليمان عثمان محمد، مدير جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، الخلوة بأنها” دار تعليم القرآن الكريم وتعلُّمه في السُّودان، وقد كانت وما تزال الوحدة التعليمية الرئيسة لتحفيظ القرآن الكريم، وتتعدد الروايات في تاريخ نشأة الخلوة.”

وتتعدد أسماء الخلوة ، فيطلق عليها”القرآنية” أو”الجامعة” أو “المسيد”، ولكن تعد كلمة “الخلوة” أكثر تداولا، في حين تطلق كلمة “المسيد” على المسجد والخلوة، ودار الضيافة، وسكن الطلبة، ودار المرضى، وديوان الاجتماعيات.

 

تاريخ الخلوة

ويعود تاريخ الخلوة في السودان إلى مئات السنين، وقد توسعت في عهد حكم الشيخ عجيب المانجلك (1570 ­ـ 1611)، وحينها بنيت الخلوات بيوتا ملحقة بالمساجد، بحسب ما أشارت اليه عديد المراجع التاريخية.

بينما اعتبر الباحث السوداني أنَّ بداية العمل القرآني في الخلوة يرجع إلى وفد العلماء الذين بعث بهم الخليفة هارون الرشيد آخر القرن الثاني الهجري، وذلك استنادا إلى المؤرخ السوداني”أحمد بن الحاج بن علي“، الملقب بـ “كاتب الشونة”.

فيما تعددت الروايات الأخرى حول جذور الخلوة في السودان، حيث ذكر عثمان بن محمد قائلا: ” تذهب دراسة أخرى إلى أنَّ مؤسس أول خلوة في السُّودان “غلام الله بن عائد الركابي“، في دنقلا في العام الثامن الهجري، وتذهب دراسة أخرى إلى أنَّ أول مؤسسة تعليمية أنشئت في قرية “ترنج” بالقرب من كريمة في محلية مروي في الولاية الشمالية أسسها “إبراهيم بن جابر” في القرن التاسع الهجري…وإنَّ تعدُّد الروايات يرجع إلى أنَّ كل رواية تؤرخ لمنطقة من مناطق السُّودان المترامية الأطراف”.

واليوم  “يوجد في السودان أكثر من 30 ألف مسجد، و38 ألف خلوة”، وفق ما صرح به وزير الإرشاد السوداني أبو بكر عثمان، لوسائل إعلام محلية.

 

السكن إلى جانب التعليم

لا يقتصر دور الخلوة في السودان على نشر التعليم ومحو الأمية الأبجدية،وحفظ القرآن وتلقي علوم الفقه والحديث والتفسير، بل يشمل كذلك توفير سكن للطلاب الذين يتوافدون إليها من مختلف أنحاء السودان ومن كافة القبائل، وهو ماساهم في تفعيل دورها  في الانصهار القومي، بين مختلف الطلبة.

 

نظم تقليدية

تعتمد الخلوة على نظم وطرق تقليدية في التعليم المعاصر، حيث تبدأ الرحلة في الخلوة بتدريس الحروف نطقًا وخطًّا بالوسائل التقليدية، المتمثلة في اللوح المصنوع من الخشب، والمداد الأسود (الحبر)، والقلم المصنوع من نبات البوص.

كما تتبع الخلوة نظام التعليم الفردي، الذي يمثِّل فيه كل طالب وحدة أو فصلاً قائماً بذاته غير مرتبط بالآخرين في مقدار ما يتحصل عليه من حفظ للقرآن الكريم، أي لا توجد فوارق زمنية (فصل أولى، ثانية، ثالثة)، بل كل طالب يسير قدر طاقته في الاستيعاب والحفظ.

وتعتمد الخلوة على نظام المعلم الواحد، فالشيخ يمكن أنْ يشرف على عدد من الطلاب قد يصلون إلى المائة.

وقد يستعين الشيخ  بالمتقدمين من الطلبة في القراءة له في التدريس، حيث يتم توزيع الطلبة الجدد على الطلبة المتقدمين في الدّراسة ليقوموا بتدريس باقي الفريق، بإشراف من الشيخ.

 

للنساء أيضا نصيب

لا يقتصر التعليم في الخلوات والمدارس القرآنية في السودان على عنصر الذكور، حيث ذكر الباحث سليمان عثمان محمد، في دراسته أن “الأسر الكبيرة اهتمت بتعليم القرآن الكريم للأولاد الذكور والإناث، وقد نشأ تعليم النساء القرآن الكريم منذ نشأة الخلوة الأولى في السُّودان…وقد تعلَّم بعض الرجال على نساء، ومنهم الشيخ/ خوجلي عبد الرحمن أخذ عن الفقيرة العالمة عائشة بت قدال في مكتب قريب من جبل أولياء بولاية الخرطوم”.

وأضاف الكاتب أنه “كثرت خَلَوات النساء في منطقة شرق السُّودان، بسبب استقرار الأسر التي لها تاريخ تليد في نشر الدعوة الإسلامية كالأشراف الذين اهتموا اهتماماً كبيراً وعُنوا عناية فائقة بالخَلَوات النسائية فأُنشأت العديد منها منذ حوالي عام 1890م، ولم تزل منطقة شرق السُّودان تتميز بخَلَوات النساء”.

واستمرت هذه الخلوات إلى وقتنا المعاصر، حيث انتشرت في ولايات السُّودان بصورة واسعة.

“يجد البنات فرص تعليم متساوية دون تمييز في المدارس القرآنية المخصصة لتعليم البنات، ومحتوى المنهج وطرق التدريس والجوانب التطبيقية هي نفسها التي سبق الإشارة إليها في مبحث المدارس القرآنية”، على حد قول الباحث.

تطورات

رغم أسلوب التمدرس الذي يقوم على أنماط تقليدية، فقد أدخلت عديد التطورات على بعض الخلوات والمدارس القرآنية في السودان، والتي تعتبر مؤسسات تعليمية تكافلية رائدة وتنتشر في جميع المناطق وذلك بإدخال التقنيات الحديثة فى مجال تحفيظ القرآن، عبر إنشاء أكبر مكتبة إلكترونية بالسودان، وبعد عملية التحفيظ يتم تدريب الطلاب الذكور على بعض المهن الحرفية التى تصحبهم بعد التخرج من الخلاوي.

فيما يتم الاهتمام بالمرأة لدورها الواضح  في الأسرة والمجتمع وذلك بإنشاء خلوة للنساء  بها الآن 170 دارسة، بحسب عدة مراجع.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد