مدوناتغير مصنف

من المستهدف من تصريحات مغازلة “إسرائيل”؟

ما دام المواطن المغلوب على امره عديم الحيلة إزاء كل ما يقارفه حكامه من منكرات، فلا بأس بإسماعه كلاماً مباشراً حول سياسات حكامه في التنازل للأعداء، والتركيز على حقّ (مكذوب) لهم في فلسطين، وفي التخلي الصريح عن القدس، وتقبّل التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، بل وتفهم حاجته لأرض يستقر عليها!

 

لحاجة في نفس المعسكر الأمريكي الذي ما فتئ محمد بن سلمان يتقرب إليه بسوء المواقف، يبدو أن هذا المعسكر معني بأن تخرج تلك المواقف التي يبذلها الأمير بين يديه إلى وسائل الإعلام وأن يتحدث بها إلى الناس، ذلك أنه لم يعد كافياً أن يتحدث الحاكم بخلاف ما يبطن وأن يداعب الجماهير بالشعارات فيما هو يبذل ماء وجهه بين يدي أعدائه.

حتى هذه الشعارات الجوفاء صارت مستكثرة على الجمهور العربي، ولم يعد مقبولاً أن يسمعها بل أن يبرمج وعيه على خطاب جديد ومفاهيم جديدة وحقائق صارخة حول مواقف حكامه الحقيقية رضي أم سخط، فما دام هذا المواطن عديم الحيلة إزاء كل ما يقارفه حكامه من منكرات، وما دام غير قادر على الجهر برفضه فلا بأس بإسماعه كلاماً مباشراً حول سياسات حكامه في التنازل المباشر للأعداء، وفي التركيز على حقّ (مكذوب) لهم في فلسطين، وفي التخلي الصريح عن القدس، وتقبّل التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، بل وتفهم حاجته لأرض يستقر عليها!

سيفهم المواطن المغلوب على أمره ورأيه وحريته تلقائياً المطلوب، في بلاد تُعاقب من يصمت عن مبايعة حكامه، فأي موقف أو كلمة لا تصب في مستنقع السياسات الجديدة ستصبح جريمة يعاقب عليها القانون المتنور الجديد في مملكة آل سعود وشبيهاتها، وفي كل ساحة أخرى تكتشف أن بقاءها مرهون برضا أمريكا عن سياساتها ومواقفها.

 

يدرك المعسكر الأمريكي بمختلف مكوناته ألا تمكين لحاكم ما لم يسيطر على وعي جمهوره، بتزييفه طوعاً أو كرها، وبالبطش أو بقوة التضليل الناعمة التي يمتلكها، وهذه الأخيرة يوجد لحكام السعودية منصات عديدة منها، وأبواق يقف خلفها فقهاء ووعاظ مستأجرون للنطق حسب المطلوب

 

عمليا، لا حاجة لأمريكا وإسرائيل بالمواقف المعلنة لحكام السعودية، لأن ما يصلهما في اجتماعات الغرف المغلقة من تطمينات وعهود أوثق وأعمق، إنما تحتاجانها للتأثير في المواطن العربي، هذا الذي يقول نتنياهو إن عداءه لإسرائيل لا يزال معضلتها الكبرى، والذي لأجله ينشئ قادة الاحتلال السياسيون والعسكريون صفحات ناطقة بالعربية لمخاطبته واستمالته نفسيا، ومحاولة خداعه بوجه أليف للاحتلال الصهيوني يلعب على وتر تناقضات كثيرة في المشهد العربي.

يدرك المعسكر الأمريكي بمختلف مكوناته ألا تمكين لحاكم ما لم يسيطر على وعي جمهوره، بتزييفه طوعاً أو كرها، وبالبطش أو بقوة التضليل الناعمة التي يمتلكها، وهذه الأخيرة يوجد لحكام السعودية منصات عديدة منها، وأبواق يقف خلفها فقهاء ووعاظ مستأجرون للنطق حسب المطلوب، وللامتناع عن مناصرة أي قضية أو حشد الناس لأجلها ما دامت ليست على أولويات حكامهم أو ليست في حساباتهم أصلا، فكيف حين تكون هدفاً لتصفيتهم كما هو حال القضية الفلسطينية؟

ولهذا تتسارع مواقف السلطة السعودية الصادمة لوعي الجمهور، ويتسرع معها الأمير الطامح إلى اعتلاء العرش في إطلاق مفرقعاته الكلامية عبر المنصات الإعلامية الغربية التي يطل متحدثاً عبرها، ويبدو معنياً بتأكيد ألا شيء مستحيل في عهده ولا تنازل غير ممكن، كل المواقف القديمة يمكن الانقلاب عليها بتصريح أو بمرسوم ملكي، مشفوعاً بفتوى محدثة ينشرها الإعلام المحلي ليقيم الحجة على المتبرمين من طوفان التحولات هذا.

ويمكن القول إن الاستكانة الداخلية أمام مواقف السلطة ستظل مغرية لها بالمزيد، ويبدو بشكل عام أن المجتمعات المترفة تستثقل دفع ضريبة المواقف المعترضة على تجاوزات السلطة فيها، ولهذا نجد أن الصمت لسان حال المعترضين، والتأييد لسان حال الموافقين اضطراراً وحرصاً على مصالحهم وخوفاً من مصير مماثل لمن صمتوا سابقاً فكانت السجون بانتظارهم.

يغري السكون عادة الحكام بجرأة أخرى وباستبداد إضافي، لأنهم يظنون أن هذا حال المجتمع كله، لكنهم لا يضعون في حسبانهم استحالة ظفرهم بإجماع على أي سياسة أو قضية مهما اجتهدوا، فقد يكون هنالك عنصر واحد داخل تلك البلاد الكبيرة ويقدم على فعل كبير، يغير مشهداً بأكمله، ويفضي إلى مرحلة مختلفة.

الوسوم

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد