مدوناتغير مصنف

أحلام مستغانمي: ما هكذا تورد الإبل!

تفاعلا مع رواية "الأسود يليق بك" للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي

 

قبل أن أبدأ أسرُّ لك بكلمات: اعلمي أن من يظهر ويعلو بسرعة، لا بد وأنه سيهبط بالسرعة ذاتها، قد تروج كتابات شخص ما ليست لجودتها وروعتها، أو لأنها قطع فنية نفيسة يصعب تكرارها.. اعلمي أن ما يروج عادة بسرعة هي الأشياء الرخيصة، لضآلة قيمتها، وسهولة الحصول عليها، ومواكبتها لمزاج العامة، وسباحتها مع التيار الذي يعينها على بلوغ مرماها بسرعة.

حاولت مرات عدة أن أقرأ ما كتبت، ربما لرواج رواياتك، وتكرار اسمك على ألسنة العامة، ولكن في كل مرة كان يداخلني شعور بالاشمئزاز يدفعني لأن أقذف بروايتك وأنساها تماماً.. ومنذ فترة قريبة، حاولت أن أنصفك فلا أحكم عليك منذ البدايات، وأبعد انطباعاتي عن فكرك وكتاباتك جانباً، خاصة لكثرة الاقتباسات التي أشاهدها على الشبكة العنكبوتية من روايتك “الأسود يليق بك”.. وقررت أن آتي على نفسي وأقرأها وأكملها حتى النهاية هذه المرة.

وفعلاً، مضيت في ذلك. ووجدت فيك كاتبة بعيدة كل البعد عن هموم الإنسان العربي الحر وعن القمع والبطش والسحق اليومي الذي يتعرض له.. منذ بداية روايتك، رحت تتحدثين عن إرهابيين، صورتهم لنا وكأنهم غول أو بعبع، مجرمون، مجردون من الأخلاق والإنسانية، وأشبعت روايتك بتلميحات مكشوفة ومبتذلة وأصابعك تشير إليهم بأنهم الإسلاميون في الجزائر، الأنانيون الذين يكرهون الحياة، الذين ألبستهم ثوباً قمت بتفصيله على مقاسهم بدقة متناهية، وأزخرت روايتك بعبارات الدم والتطرف والقتل، هؤلاء الإرهابيون حسب زعمك هم من أحالوا حياة شخصيات رواياتك إلى سواد..

ونسيت أو لأكون أكثر دقة، تناسيت قوى الاستعمار، والقوى الخارجية التي تعبث ببلادك وبلاد جميع العرب والتي جعلت من العرب مجرد عبيد فقراء، جهلة، ترتع الأمراض في أراضيهم!. سلطت الضوء في روايتك تلك على قصة عشق بين رجل وامرأة وعلى الإرهاب (كما حلا لك أن تصوريه)، ولم تتطرقي للهموم الأكثر أهمية للإنسان العربي!

كنت تريدين من كل قارئ عربي أن يتعاطف مع ما يملأ رأسك من فكر تحكينه على لسان بطلتك التي طلبت منا بحثاثة وإلحاح إكبارها والنظر إليها بكثير من العظمة والتبجيل، كم كنت أتمنى لو أن كاتبة في مثل شهرتك سخَّرت قلمها ومهاراتها اللغوية وأسلوبها السلس في الكتابة، لتتناول القضايا التي تضيق صدور العرب وتدك أرواحهم وتشتت قوتهم وتفكيرهم.

تحدثت طوال الوقت وبإعجاب شديد، وانبهار قل نظيره عن ذلك الثري المتكبر، الأرستقراطي الذي يجوب عواصم العالم بيسر، ويأكل في أغلى مطاعم العالم، ويطارد امرأة اُعجب بها بدون مبرر منطقي (من وجهة نظره هو)، وجعلته يراجع نفسه كثيراً ويتساءل كيف شُغف بها تحديداً، دون أن تقف أمامه حدود أو حواجز أو تأشيرات. رجل عرضته أمامنا بأنه فارغ من كل شيء إلا من الثروة والثقة بأن أمواله قادرة عن عمل كل شيء وأي شيء.. حتى شراء الناس.

كفاك خداعاً يا أحلام!

في روايتك أيتها الكاتبة، حاولت إقناعنا بأن بطلتك مشبعة بأنفة وعنفوان يستعصيان على الترويض، صاحبة شخصية قوية، وقادرة على السيطرة على الذات، برغم أنك نفسك قد عرضتها أمامنا في مواقف أكثر كررتها في روايتك بأنها هشة، ضعيفة، مترددة. ادعيت أمامنا طوال الوقت بأنها بطلة، وصاحبة قضية ومبدأ، ثم حقرتها وهويت بها إلى الدرك الأسفل من النزوات والشهوات والانجرار وراء كهل عابث طاعن في التلاعب بالنساء وعواطفهن، متغطرس مغرور لا يسمح لأحد بأن يقف في وجهه ويقول له لا ويخالف رغباته.

وإمعانا في تحقير بطلتك صاحبة القضية يا أحلام، لم تجعلي ابتعادها عن هذا العابث قرارا خاصا بها اتخذته بعد تفكير وكانت مستعدة للسير فيه حتى آخر خطوة، إنما هو صدمة أوقعتها فيها جعلتِها تتقبل ويلاتها وتستوعبها على مهل. قضية أشبعتنا بها طوال الوقت من وجهة نظرك دون أن تحاولي حتى ولو لدرجة بسيطة إنصاف الآخر الذي جعلته أمامنا شيطاناً أمرد.

ولا بد أن أشير أيضاً إلى أن نجاح بطلتك منقطع النظير في الغناء في نهاية الرواية كان مجرد صدفة محضة بعد التقائها بالجزائري الذي دعاها إلى الحفل الخيري بعد أن مكثت في البيت تتباكى على هزائمها.

اقرئي كتاب الضابط الجزائري المنشق “محمد سمراوي: وقائع سنوات الدم”، وكتاب “الحرب القذرة، للضابط حبيب سويدية” وهذان الكتابان وغيرهما، من الشهادات الحية التي تكذب ما كتبت وادعيت في روايتك جملة وتفصيلا وتبين أنها مجرد ادعاءات ألصقتها بالإسلاميين لشيطنتهم في نظرنا.

أنصحك بشيء أيتها الكاتبة المشهورة، توخي الحذر والدقة حتى لا ينقلب سحرك عليك.

 

كل التدوينات المنشورة لا تعبر إلا عن آراء أصحابها، ولا تعكس مواقف المجلة بالضرورة

الوسوم

د. زهرة خدرج

مدونة فلسطينية، كاتبة في العلوم الإنسانية وباحثة في لغة الجسد

مقالات ذات صلة

اترك رد