دين وحياة

مقاصد الشريعة.. فقه علة التشريع

اصول الفقه

 

وصف ابن القيم الفقه بأنه هو الفقه الحي من خلال تعرضه لواقعة المرأة التي احتالت على زوجها فجعلته ينطق بلفظ الطلاق وهو لا يريده، فرفض عمر بن الخطاب تطليقها وأمر الرجل بتأديب زوجته فقال: “هذا هو الفقه الحي الذي يدخل القلوب بغير استئذان”.

 

 

وبالبحث عن حياة الفقه، سنجد أن روح الفقه كما يذكرها الشيخ أحمد  الريسوني، وهو أحد أهم علماء المقاصد في العصر الحديث يتمثل “بمعرفة المقاصد التي أرادها الشارع من أحكامه, فعلاقة الفقه بالمقاصد علاقة الروح بالجسد فالمقاصد هي التي تسري في كل فقه حي”، فنجد الفقيه الذي يفهم المقاصد حق فهمها هو فقيه عصره. ومن يتصدر للفتيا بغير استحضار الفقه، فكأنما هو قاتله أو مغتاله.

 

 

ونجد أن الفتوى كما يذكرها الريسوني في كتابه “مقاصد المقاصد” لم تكن ملزمة بذاتها، فهي غير ملزمة بمجرد أنها فتوى مُفتٍ، فلا يمتلك العلماء في الإسلام سلطانا كهنوتيا يجبر طالب الفتوى أن يلتزم بها لكونها فتوى، وإنما تلزم الفتوى من رأي كلام الفتوى صحيحا مستندا إلى أدلة منقولة ومعقولة، والأدلة مقنعة ومتسقة مع حالة طالب الفتوى.

ولعلّ أعظم حكمة لاختلاف العلماء هو نفي الاستبداد الديني، فلا يستبد أحدهم علينا برأيه، إنما في الأمر سعة. ولعل أبرز وأعمق أداة لاختلافهم هو علمهم للمقاصد وتوظيفهم لها.

المقاصد هي جوهر التجديد

كما يرى القرافي أن التمكن من مقاصد الشريعة وأسرارها هو السبيل الوحيدة لإبطال شبهات المبطلين والمشككين، فيقول: “وأما القيام بدفع شبه المبطلين، فلا يتعرض له إلا من طالع علوم الشريعة وحفظ الكثير منها وفهم مقاصدها وأحكامها وأخذ عن أئمة فاوضهم فيها وراجعهم في ألفاظها وأغراضها”.

 

 

وجعل الشاطبي المقاصد هي جوهر التجديد وأساس الاجتهاد ومعيار اهليته ومجمع شرائطه، فقال: “إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها”.
كما أن للمقاصد دور رئيس في إبطال الحيل الفقيه التي يذهب إليها بعض الفقهاء، فتكون مستوفية لصورتها الشكلية الصحيحة ومخالفة لمقصود الشارع من شرعيتها.

 

الشيء ينبغي أن يكون مقصودا للشارع حتى تكون رعايته مناسبة في أقيسة الشرع فقد علم على القطع أن حفظ النفس والعقل والبضع والمال مقصودة في الشرع

الإمام الغزالي

المقاصد بين المطلب الشرعي والتشكيك

لذلك تعد المقاصد مطلبا بالغ الدقة من مطالب العلوم الشرعية، فلا يقصد علم المقاصد من فقه الدين فقط أو أراد أن يتفقه، إنما يطلب المشككون العمل بذلك الفرع من العلم بذات القدر الذي يقصده الواثقون بجدواه وأهميته، ويكون باب المشككين في قدسية النص والمؤيدين لتقديم العقل أو المصلحة على النص الأوسع لهدم قدسية النص والسطو على أهميته، بل والدعوة إلى طرحه في كثير من الأحوال بدعوى المصلحة وتغير الزمن وسعة المقصد.

وتعج خطابات ما يطلق عليه تجديد الخطاب الديني أو الخطابات التنويرية، أو ما يحاول البعض تصديره على أنه الدين الوسطي بالكثير من الأحكام التي استنبطت بالهوى، وما يعتقد أنه مواكبة للزمن وليس لها من داعم في النص ولا في نهج الأوائل.

 

لعلّ أعظم حكمة لاختلاف العلماء هو نفي الاستبداد الديني، فلا يستبد أحدهم علينا برأيه، إنما في الأمر سعة. ولعل أبرز وأعمق أداة لاختلافهم هو علمهم للمقاصد وتوظيفهم لها

مقاصد الشريعة عند الأصوليين

علم المقاصد هو علم قديم، فقد اهتم النبي بيبان مقاصد الشريعة في أكثر من موقف، وكذلك أصحابه من بعده، فيما تبلور علم المقاصد على يد أئمة أعلام أربعة هم: الجويني والعز بن عبد السلام والشاطبي وأبو بكر الشاشي (القفال الكبير). وبدأ الأئمة يستقلون بعلم المقاصد كعلم منفصل له شروطه وأحكامه وما يميزه عن غيره من العلوم.

بدأ الأمر عند الإمام الجويني وأئمة أصول الفقه وقتها بإدراج المقاصد في باب القياس وهو المعروف اصطلاحا على أنه “حملُ معلوم، على معلوم، لمساواته في علة حكمه، عند الحامل”، ويعني ذلك بشكل بسيط، أنه إيجاد حكم شرعي مناسب لأمر مستحدث بقياس علة المستحدث على علة القديم المنصوص فيه، فنظر العلماء إلى المقصد محددا لإمكانية القياس من عدمها.

ثم تابع الغزالي ما بدأه الجويني بذكر المقاصد ثم تفصيل المقاصد حتى وضع نظرية مبدئية للمقاصد، حيث بدأ في السؤال عن المعاني التي تحقق المصالح ثم استفسر عن المصلحة وحدودها، ليقسم المصلحة إلى دنيوية و آخروية، ثم غاص في معنى الأمر المناسب أو المقصود في الشرع فيقول: “الشيء ينبغي أن يكون مقصودا للشارع حتى تكون رعايته مناسبة في أقيسة الشرع فقد علم على القطع أن حفظ النفس والعقل والبضع والمال مقصودة في الشرع”.

فالغزالي يرى أن مقاصد الشرع أربعة، وما من حكم إلا ويندرج تحت إحدى هذه المقاصد فالقصاص حماية للنفس وحد الخمر حماية للعقل وحد الزنا حماية للبضع وحد السرقة حماية للمال.

ثم يرتب الغزالي تلك المقاصد ترتيب أولويات، فيجعل أعلاها، وهو ما يقع في مراتب الضرورات كحفظ النفوس، وثانيها مايقع في مراتب الحاجات، وثالثها يقع في مراتب التحسينات، وهو ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة ولكنه يقع موقع التحسين والتزيين.

هكذا نظر الأوائل في علة الأحكام وسبب تشريعها، وأعملوا العقل فيها، ولمّا تغير الزمن استحدثت مقاصد واندثرت غيرها، وبين نظرة الأوائل ونظرة المتقدمين هذا ما نتناوله في مقال قادم..

الوسوم

منة التلاوي

كاتبة مصرية وقارئة تملك أجنحة من حبر وورق

اترك رد