الرئيسيثقافةغير مصنف

أشهر أغـاني السجون العربية.. فسحة من وراء القضبان

أغاني السجون جرح غائر في الذاكرة الجمعية ووثيقة مهمّة على تاريخ عاشته الشعوب العربية، رغم محاولة السلطة الرسمية طمسه و تغييبه عن حاضرنا

 

غرف ضيّقة تتلاصق فيها الأجساد، إلى درجة أن تضيق الأنفس بالعيش، لكل شخص حكاية تركها خارج أسوار السجن، هناك من يشكو الظلم ويقسم أنّه مظلوم وهناك من امن بعدل الله في الدنيا قبل الآخرة، وسلّم أمره للعناية الإلهية.

يمرّ اليوم طويلا بين جدران السجن فما يوحد السجناء هو الوقت الذي يتشارك فيه الجميع بعدل، الوقت هو الشيء الوحيد الذي يملكه السجين، إلى درجة تجعله ينتبه إلى كلّ التفاصيل الصغيرة هكذا حدثني بعض الأصدقاء الذين خاضوا تجربة السجن عقابا على آرائهم السياسية ، ويصرّ أصدقائي الإسلاميون واليساريون على القول أنّ الوقت هو الشيء الوحيد الذي يملكه السجين  إلى كلّ شيء يؤثر فيه كنقطة الضوء منبعثة من كوّة الشباك ، كطبق من زيارة عائلية يتقاسمه مع رفقائه، أو أغنية قديمة تبثها إحدى القنوات التلفزية أو أغنية ألفها سجين تحلقوا حوله وانهمرت دموعهم سويّا.

تروي الغرف الضيّقة حكايات أليمة حملها السجناء معهم، وتروي أيضا شوقهم إلى الحرية والعائلة وإلى تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها أحدنا، فينمو لدى السجناء إحساس قاتل بالوصم والفراغ واليأس،ل لا تخلو منها أغاني السجن فيتحول الفنّ كأداة للحياة إلى وسيلة من جنس الغايات وليس من جنس الواقع بحمولة مكثفة من شحنات القهر في الواقع.

من تلك الجدران الباردة تصدح الحناجر بأغنيات يكتبها السجناء بمراراة بالغة هناك من يكتبها على جدران السجن ليترك شهادته معلقة لزائر عابر بعده أو من يكتبها على ورق علب السجائر ، أغنيات أطلق عليها التونسيون  اسم “الزندالي”  وتطلق على أغنيات السجون المتفرعة من موسيقى المزود الموسيقى الشعبية بتونس واشتق لفظ الزندالي من كلمة زندالة وهو سجن بضاحية باردو.

انتشرت  أغاني الزندالي خارج السجن ولاقت رواجا كبيرا في صفوف الجماهير التي تعاطفت مع زفرات السجين وكلماته الحزينة أو وجدت في بعض الكلمات ما تتقاسمه معهم من همومو ومضالم رغم حريتهم المزعومة.

تعتبر أغنية صالح الفرزيط ” أرضى علينا يا لميمة رانا مضامين نستناو في العفو يجينا من 76 ” من أشهر أغاني الزندالي في تونس وقد غناها الفنان الشعبي صالح الفرزيط بعد دخوله السجن في سبعينات القرن الماضي عقابا له على انخراطه في مجموعة العامل التونسي المجموعة اليسارية وقد شهدت فترة السبعينات انتشار الحركات اليسارية السياسية والطلابية المعارضة لحكم الحبيب بورقيبة والتي واجهها بالقمع والاعتقال وقد منع على الناشط السياسي والذي دخل السجن في سبعينات القرن الماضي من ممارسة حقوقه أو العمل بعد خروجه من السجن، ففضحت هذه الأغنية ممارسات نظام الحبيب بورقيبة، وقد منحت الثورة التونسية الفرصة لصالح الفرزيط للحديث عن تاريخ  هذه الأغنية التي طمست ملابساتها الحقيقية طويلا.

 

 

 

من الجزائر نجحت أغنية ” يا لمقنين الزين .. من مدّة وأنت في قفص حزين تغني بصوت حنين لا من يعرف غناك منين ” وهي أغنية شعبية غناها كثير من الفنانين الجزائريين ومن أشهرهم الفنانة نعيمة الجزائرية، وتروي هذه الأغنية مأساة طائر الحسون المسجون والذي يغني بحزن مأساة سجنه. كتب كلمات هذه الأغنية الشيخ محمد الباجي وهو من أشهر رموز الأغنية الشعبية بالجزائر وقد كتب الشيخ الباجي هذه الأغنية أثناء سجنه  بسجن سركاجي سنة 1958 أثناء اندلاع الثورة الجزائرية وكان ينتظر الحكم عليه بالإعدام صحبة الكثير من المناضلين والثوار الجزائريين ضدّ الاستعمار الفرنسي.

 

 

لطالما رددت الحناجر أغنية “بلدي وحبيبتي ” للشيخ إمام والتي كتب كلماتها الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم أثناء قضاء عقوبته بسجن طرة عقابا على مشاركته في أحداث انتفاضة 18 و19 يناير 1977 أثناء حكم السادات والتي خرج فيها المصريون بمئات الآلاف  احتجاجا على رفع أسعار المواد الأساسية وتمّ تشويه الانتفاضة المصرية بتسميتها بانتفاضة الحرامية فيما يصرّ الوطنيون على تسميتها بانتفاضة الخبز.

ولم تكن أغنية ” بلدي وحبيبتي ” الأغنية الوحيدة التي كتبها أحمد فؤاد نجم  من داخل السجون بل كتب أيضا من ” اتجمعوا العشاق في  سجن القلعة ” وهي إحدى الأغاني الشهيرة للثنائي نجم وإمام والتي تمثل إحدى الوثائق التاريخية المهمة حول بشاعة الديكتاتورية بمصر وقد حوّل سجن القلعة إلى مزار سياحي بعد أن شهد تعذيب المساجين السياسيين أشهرهم  الشيخ إمام  وتمّ ذلك في عهد  جمال عبد الناصر .

 

 

“راكب هنتر وعامل عنتر “هي أغنية سودانية شهيرة للفنان محمد عثمان الوردي  والتي أدت به إلى سجن “كوبر ” بالسودان عقابا له على انتقاد النميري وموقفه الذي تبنى ثورة التصحيح التي قادها الحزب الشيوعي السوداني سنة 1971 وأثناء تواجده بالسجن غنّي الوردي أغنية ” أكتوبر دناميتا دناميتا ساعة الصفر ركيزة بيتنا” والتي رددها معه قرابة 800 سجين بمناسبة ثورة أكتوبرـ، ومن المؤسف أن لا نجد هذه الأغاني في أرشيف المواقع فقد وقع تغييبها لعل الذاكرة السودانية تتناسى جزء مهما من تاريخها.

تشكل أغاني السجون جرحا غائرا في الذاكرة الجمعية فهي وثيقة مهمّة على تاريخ عاشته الشعوب العربية، رغم محاولة السلطة الرسمية طمسه أو تغييبه عن حاضرنا، فهي وليدة جراحات يخيّل للبعض أنّها فردية ولكنّها في حقيقة الأمر جراحات اشتركت فيها الشعوب ولكنّها لم تملك اللحظة المناسبة لتخليد هذه الماسي الجماعية أو ربّما قانون اللعبة يفرض أنّ الفنّان هو من يملك الفرصة على تخليد مأساة شعبه.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.