مدوناتغير مصنف

Strong Independent؟  لأ معيلات..

لم يعد منطقياً في عالم تتسارع به التطورات وتتزايد التعقيدات ومسؤوليات الحياة؛ أن ينظر أشخاص لعمل المرأة على أنه خياراً أو رفاهيةً

 

يغضبني كثيراً اعتقاد البعض أو ترويجهم لأننا؛ النساء، نعمل لشغل لمجرد شغل أوقات الفراغ أو  .. For FUn كما يقال، وأن ذلك ضيق الحال على الرجال، وسلبهم فرصاً عديدة كانت لتتاح لهم دون عناء.

وفي حين يرى البعض أن عمل المرأة أصبح واقعاً، فلم الحديث المتكرر عنه؟!؛ إلا أنني أرى ضرورة إثارة هذا الموضوع، فالمرأة اقتنصت حقها في العمل وفرضت ناموساً لا يمكن التراجع عنه في كل بلدان العالم لا شك، غير أن هذا لا يبدو كافياً.. لا نزال نبحث عن “التقدير” و”التوصيف الصحيح” لهذا العمل.

فالفكرة المجحفة بأن عمل المرأة أمر استعراضي لا أكثر، حتى وإن كانت المرأة تعمل لإثبات ذاتها أو استغلالاً لوقت فراغ أو طاقة زائدة، فهو برأيي أقيم كثيراً من قضاء الوقت أمام المرآة أو في جلسات النميمة.

وليس العيب أن نتحدث مراراً وتكراراً عن هذه الأفكار العقيمة، بل العيب الحقيقي في استمرارها بالأصل، إذ لم يعد منطقياً في عالم تتسارع به التطورات وتتزايد التعقيدات ومسؤوليات الحياة؛ أن ينظر أشخاص لعمل المرأة على أنه خياراً أو رفاهيةً.

وجود المرأة في سوق العمل خلق جوا من التنافس المطلوب، دفع الجنسين لبذل طاقاتهم وتحسين مهاراتهم وأدائهم الوظيفي، حتى لو لم يقتنع بذلك المتكاسلون.

مع ارتفاع الأسعار الجنوني، أصبح عمل المرأة للمساهمة في نفقات الأسرة أمراً ضرورياً، ويزداد الأمر أهمية بالنظر لارتفاع نسب الطلاق ووفيات الشباب، ما أوجب على كل سيدة أن تتسلح بالعمل لإعالة أسرتها، أو نفسها على الأقل.

كما أن نزول المرأة لساحات العمل لم يشغلها فقط عن الرجل –المشغول بدوره بعمله وأصدقائه وحتى النوم والتلفاز، ولم يمنحها حرية الإنفاق على ما يعتبره  بعض الرجال “رفاهية”، ولم يعنها على تخفيف عبء تحمل المسؤولية كاملة داخل الأسرة عن الرجل فقط، بل منحها الخبرة والنضج العقلي والفكري لتربية أبنائها، ورؤية الأمور بمنظور “الأهم فالمهم فالأقل أهمية” بعد أن كانت على الأغلب تضخم كل شيء جراء فراغها.

 

النظرة النمطية للمرأة بأنها تتأخر في الذهاب للعمل لانشغالها بوضع المكياج، وتتأخر في إنهاء المهام المنوطة بها لأنها كسولة بطبعها أو أقل ذكاءً من الرجل، أو بأنها تقضي ساعات الدوام في أحاديث هاتفية خاصة، أو مجاملات اجتماعية وتنقل بين المكاتب، لا بد أن تتوقف

 

وبينما يرى البعض فرص العمل متاحة للمرأة والطريق أقصر.. استناداً إلى حوادث استغلت فيها أخريات أجسادهن أو جمالهن للوصول السريع وغير الشريف، وهذه فكرة ظالمة أيضاً وغير عادلة بالمرة.

فهذه النماذج- وإن كنا لا ننكر وجودها، لكن ينبغي التأكد من أنها تضر بالمرأة قبل الرجل، أولاً لأنها ترسخ النظرة الدونية للمرأة على أنها جسد وكفى، ثانياً لأن البعض يتوهم أن البقية لا بد وأنهن كذلك- فخ التعميم الذي طالما وقعنا فيه، وثالثاً لأنها تجعل المجتهدات فريسات في عملهن لضعاف النفوس من الزملاء والمديرين.

المرأة تعمل كذلك تحت ضغوط تفوق أضعاف ما يتحمله الرجل؛ رعاية الأسرة دون تقصير، أداء مهام عملها على الوجه الأكمل، وبجانب كل هذا لا تزال  مطالبة بالحفاظ على أنوثتها في المنزل والتعامل بحزم داخل بيئة العمل.

كل هذا التحدي تقبله المرأة العاملة وتقوم به كل يوم وتمثل كل هذه الأدوار ببراعة تامة، لكنها إذا فكرت في التعبير عن حاجتها للراحة يوماً أو مساندة معنوية أو ملموسة من الشريك أو المحيطين، يكون الرد الأول “مش عاوزة تشتغلي اشربي” أو “أومال strong independet woman إزاي “.

ووصف Strong Independent، الشائع استخدامه مؤخراً للسخرية من كل فتاة وسيدة تعتمد، أو تسعى للاعتماد، كلياً على ذاتها، والتعبير لا يعيبه  سوى اتخاذه سبيلاً للسخرية والتهكم على المرأة العاملة، فالمرأة وإن اكتفت بتربية أبنائها ورعايتها أسرتها تستحق هذا اللقب ما بال إذا ضمت مهام العمل بجانبها!

الغريب أن مثل هذه الأفكار لا يزال رائجاً، رغم ما تعانيه النساء من تمييز وعنصرية ومصاعب في بيئات العمل المختلفة؛ فهي  تعمل بنفس الوظائف لكن برواتب أقل وتقدير أقل وهو الأمر المؤكد عالمياً وحتي في الدول المتقدمة، فالمرأة كثيراً ما تتهم بعدم الكفاءة، حتى وإن اجتهدت ونالت المناصب العلا تقرن ترقيها بالوساطة أو التنازلات، أو حتى استلطاف المدراء.

 

المرأة تعمل كذلك تحت ضغوط تفوق أضعاف ما يتحمله الرجل؛ رعاية الأسرة دون تقصير، أداء مهام عملها على الوجه الأكمل، وبجانب كل هذا لا تزال  مطالبة بالحفاظ على أنوثتها في المنزل والتعامل بحزم داخل بيئة العمل.

 

النظرة النمطية للمرأة بأنها تتأخر في الذهاب للعمل لانشغالها بوضع المكياج، وتتأخر في إنهاء المهام المنوطة بها لأنها كسولة بطبعها أو أقل ذكاءً من الرجل، أو بأنها تقضي ساعات الدوام في أحاديث هاتفية خاصة، أو مجاملات اجتماعية وتنقل بين المكاتب، لا بد أن تتوقف.

تضم دائرة صديقاتي المقربات؛ الطبيبة والباحثة، المهندسة، والمعلمة، والقاضية، وبالطبع الكثير من الصحافيات، لا تعمل واحدة منهن رفاهيةً أو حتى لإثبات الذات- وإن كان أمراً حميداً وليس بعيب، ورغم اختلاف مستويات المعيشة لكل منا، لا أجد واحدة من بيننا تحتفظ براتبها لنفسها، أو تنفقه على أدوات التجميل والملابس، وإن لم تعد برأيي من الكماليات في العصر الحالي بل ضرورات ملحة.

في النهاية أتمنى أن يأتي اليوم الذي يدرك به كل رجل أن المرأة، في مجتمعاتنا العربية، تعمل لتنال حريتها في اتخاذ قراراتها، لئلا ينظر لها على أنها “عبء” أو “عديمة القيمة” أو حتى “إتكالية”، لتعول نفسها، وأبنائها في كثير من الأحيان، ولا تبقى رهن تصرف أي شخص، حتى لو كان زوجها أو أبويها، لتزداد خبرة وقدرة على مواجهة مصاعب الحياة المتلاحقة، وأحياناً لتكتشف فخبايا قدراتها ومهاراتها المدفونة في فخ المنزل السعيد؛ فلا أسرة سعيدة دون امرأة واعية وناجحة.

لفظ “معيلة” أو “معيلات” أكثر دقة في توصيفنا برأيي وليس Strong Independent فكل امرأة تتحمل نظرة المجتمع العربي للمرأة وإن لم تبرح منزلها هي بطلة وقوية، وكل من تحملت مهام تأسيس أسرة وتربية أبناء هي كذلك، بينما إعالة الذات والأسرة هي درجة أعلى وأعمق في التضحية والبطولة.

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.