الرئيسيثقافةغير مصنف

يوتوبيا أحمد خالد توفيق: رواية ونبوءة

كتب

 

يفتتح الكاتب المصري أحمد خالد توفيق الذي رحل أخيرا عن دنيانا روايته يوتوبيا بجملة معبرة يقول فيها ” يوتوبيا المذكورة هنا موضع تخيلي، وكذلك الشخصيات التي تعيش فيها ومن حولها، وإن كان المؤلف يدرك يقينا أن هذا المكان سيكون موجودا عما قريب” مقدمة تذكرنا بنبوءات الكتاب المقدس كما في سفر أشعياء أو أرمياء أولئك الذي رأوا وأخبروا عن الخراب الذي سيحيق ببلد السوء.

 

ورواية “يوتوبيا” التي صدرت سنة 2008 ككتاب مستقل جاءت قطعة أدبية رائعة أسلوبا وأحداثا وتجمع بين التوصيف والإثارة والتحليل والمعلومات المستقاة من مصادر بحثية. ويمكن القول أن الرواية بُنيت على مفارقة عجيبة بداية من عنوانها يوتوبيا والذي لا يتحدث عن المجتمع المثالي العادل كما أعتدنا أن نجد في اليوتوبيات المختلفة انطلاقا من “يوتوبيا” توماس مور ومرورا بمدينة الشمس لتوماسو كامبانيلا وصولا الى  أطلانطس الجديدة لفرنسيس بيكون وإنما هي اسم افتراضي لمدينة تمارس أبشع الجرائم واشد الفظاعات بحق منسماهم الكاتب بالأغيار.

فالرواية ليست يوتوبيا وإنما هي ديسوتوبيا أي نقيض المدينة الفاضلة أو لعلها بمصطلح الفارابي في تصنيفه للمدن المضادة هي مدينة بدّالة أو الخسة آو هي مدينة النذالة تمارس أسوأ أنواع الشرور. وربما كانت رواية “يوتوبيا” في واقعها أقرب الى عالم جورج أورويل وروايته “1984” بطابعها الكارثي الأسود.

 

 

تنطلق الرواية بمشهد صيد احد الأغيار الذين أرادوا التسلل الى يوتوبيا يحبس الأنفاس صاغه الكاتب بحرفية عالية وبصيغة سينمائية اقرب الى أفلام الحركة والإثارة ولا يتعلق الأمر بالصيد الذي اعتادت مخيلة الناس عليه وإنما هو مطاردة لإنسان فقد كل مقومات إنسانيته المنتهكة ليتحول إلى موضوع لممارسة شبق السلطة وإذلال الآخر المُضطهد بشكل يكشف عن الروح السادية التي تسكن نفوس قاطني يوتوبيا في تعاملهم مع الأغيار الذين لا يرون فيهم غير موضوع للإبادة والقتل في لعبة من المتعة لا تنتهي ولا تتوقف عند حد:

 

“لا تقاوم أيها الأحمق !.. فرارك هذا لا يختلف عن فرار الصرصور على جدار مطبخ، أو أميبا تنزلق تحت عدسة مجهر.. صرخة غريزة لا أكثر .. إنه تفاعل التحاشي الذي زرعته الطبيعة فيك”

 

هكذا يفكر الكائن “اليوتوباوي” في طريدته فهو لا يرى فيها غير حيوان رث لا يستحق الحياة بقدر ما سيكون الموت استحقاقا يناله وعليه قبوله بروح قدرية مطلقة.

 

 

ويوتوبيا هذه المستعمرة الكوسموبوليتانية الفاقدة لأي هوية مميزة لها بناها الأثرياء على الساحل الشمالي لمصر بعيدا عن قرف الفقراء وحقدهم وفي داخلها لا تعرف الأمريكي من المصري من الإسرائيلي فالجميع متشابهون حد التماثل فلا وجود لهوية أو اختلاف. فخلف السلك المكهرب والبوابات العملاقة وفي ظل الحماية الدائمة لشركة “سيفكو” التي تتكون من مرتزقة المارينز تجد المجمّعات التجارية الضخمة والملاهي وحتى مجمّع الأديان رغم أن الجيل الجديد لا يؤمن بشيء ولكنها تلبي رغبة الكبار “لأن يجمعوا بين طابعي الثراء والورع”.

 

 

سكان المستعمرة يعانون ملل الوفرة وغياب المُثل وأزمة الهوية المستمرة فلا يعرفون غير الإقبال على الملذات بشراهة، جميع أنواع المتعة حتى أكثرها غرابة وشذوذا بداية من كل أشكال المخدرات القديم منها والمستحدث مثل مخدر الفلوجستين ووصولا الى كل أشكال المتعة الجنسية حتى النيكروفيليا (مضاجعة الموتى) فالشاب اليوتوباوي الذي يجد كل شيء في متناول يده يختصر حياته في لحظات متتالية بسلوك شبه آلي تغلب عليه الغريزة الحيوانية

 

“أصحو من النوم .. أفرغ مثانتي .. أدخن .. أشرب القهوة .. أحلق ذقني .. أعالج الجرح في جبهتي ليبدو مريعا .. أضاجع الخادمة الإفريقية .. أتناول الإفطار .. أصب اللبن على البيض وأمزق كل هذا بالشوكة ..ألقي بالخليط المقزز في القمامة .. أتثاءب .. أضحك .. أبصق .. ألتهم اللحم المحمر .. الخ .. ساعة واحدة فعلت فيها كل شيء في الحياة يهمني أو أريده !!!”.

 

 

أما النظام العام في المستعمرة والذي يديره الكبار فكان قائما على فكرة التوجس من الأغيار من ذاك الخزان البشري الموبوء الذي قد يتهدد مصالح الأغنياء في أي لحظة، لا مجال للرحمة أو التساهل معهم فالمستعمرة القائمة بعيدا أشبه بمعتقل عظيم يوفر الحماية لأفراده ويصوغ لهم أسلوب حياتهم العجيب، هنا يوتوبيا ليس مدينة للسعادة بقدر ما هي ملاذ آمن يدرك أصحابه أنهم يعيشون في قلق دائم من الخطر القادم من وراء الأسوار فلا احد يدري متى تثور الجموع، لقد تأسست “بنفس منطق قلاع القرون الوسطى عندما كان الحكّام يقيمون الحفلات الماجنة بينما الطاعون يفتك بمحيط الفقر الخارجي”.

مقابل يوتوبيا ومجتمع الوفرة يعيش مجتمع الأغيار الذي يفتقر لشروط الحياة لا ماء ولا كهرباء .. حياة مفجعة “منذ ثلاثين عاما كان هؤلاء ينالون بعض الحقوق أما اليوم فهم منسيون تماما”، الأغيار هم موضوع رغبة وموضوع سلطة إنها الثنائية الأبدية التي تحدث عنها فوكو في اقتران الهيمنة بالرغبة باستمرار .

 

 

الغريب أن مجتمع الفقراء ورغم معدل الجريمة العالي والشوارع الغارقة في الماء الآسن وغياب قنوات المجاري وافتقاد الكهرباء والماء الصالح للشراب وتوجه أهله الى تناول لحوم الكلاب والفئران لازال يحتفظ ببعض القيم على خلاف مجتمع يوتوبيا، وفي حوار بين الشاب جابر من شعب الأغيار مع علاء الشاب اليوتوبي يسأله

“هل لديكم إسرائيليون في يوتوبيا؟ قلت في دهشة: كثيرون .. أعز أصدقائي منهم” قال وهو يعاود المضغ : هذه سمة مهمة لدى قومك .. لقد اتخذوا موضعهم في الشرق الأوسط الجديد الذي كانوا يتحدثون عنه .. المثلث الذي حلمت به إسرائيل كثيرا .. مال خليجي (قبل أن ينضب) ذكاء إسرائيلي .. أيد عاملة مصرية رخيصة .. نحن الفقراء لم نكف عن اعتبار إسرائيل عدوا”.

ألسنا أمام مشهد استشرافي لما نرى ملامح تشكله اليوم في التقارب السعودي الإسرائيلي المتسارع والمشاريع التي يتم إعدادها في المنطقة بعد تخلي مصر عن تيران وصنافير ألسنا أمام ملامح مشروع نيوم السعودي الذي سيكون قريبا من الساحل الشمالي المصري ؟

 

 

أليست العاصمة الإدارية الجديدة في مصر محاولة للفرار من مجتمع الفقراء الذي لم يعد يستحق شيئا وتندفع الدولة تدريجيا الى التخلص من عبء تكاليف الإنفاق عليه وتكتفي بجمع الإتاوات؟

إن نبوءات الكتاب تتجاوز الحد في سوادها ولكنها ويا للمفارقة تتساوق مع الوقائع المتسارعة في المنطقة فنحن أمام مجتمع يوتوبيا الآخذ بالتشكّل تدريجيا وعزل الفقراء بوصفهم أغيارا يشكلون عبئا اقتصاديا وخطرا اجتماعيا ينبغي محاصرته كالوباء المتفشي. وخلاصة الرواية أننا أمام شعبين تشكلا من رحم واحد أحدهما باع كل شيء من اجل أن يصبح جزء من الشرق الأوسط الجديد ويحتفظ بكل المنافع والمكاسب لنفسه إنهم أهل يوتوبيا ممن لديهم الاستعداد لممارسة أكثر الأفعال دناءة وشراسة من اجل الحفاظ على تميزهم المالي وتفوقهم الطبقي.

لم يكن غريبا أن يعمد بطل الرواية (علاء ابن مراد بك) الشاب من يوتوبيا الى قتل منقذه واغتصاب أخته العذراء رغم أنه من آواه وحماه إنها قيم يوتوبيا حيث الغير مجرد وسيلة يتم التخلص منها فور الانتهاء من استخدامها (الإنسان ذو الاستخدام الواحد) وتنتهي الرواية لتبشر بالثورة القادمة التي كان قادحها مقتل الفتى جابر الذي ساعد اليوتوبي الذي جاء لصيد أهله ووثق فيه وبعدها زحف ألاف الأغيار لاجتياح المستعمرة وهكذا دوما تبدأ الثورات بداية من حريق البوعزيزي مرورا بموت خالد سعيد ..

قد تستمر أنظمة اليوتوبيا العربية بحماية سواعد المارينز وفي ظل حالة استنفار دائمة للفرار ولاستخدام العنف المفرط ضد جموع الشعب الفقير المحروم ولكنها في النهاية ستنهار مهما كان حجم التضحيات.

رواية يوتوبيا للأديب الطبيب أحمد خالد توفيق جرس إنذار مبكر واستشراف لمستقبل مظلم تسير إليه المنطقة إذا لم يدرك أبناؤها أنهم معنيون قبل غيرهم بإصلاح أوضاعهم ومنع الفاسدين من تدمير ما تبقى من حياتهم.

يوتوبيا هي الجانب الواقعي الأشد قتامة الذي تخفيه تقارير دوائر الاستخبارات عن صانعي القرار العرب وهم يعيشون في وهم يوتوبيا الخاصة بهم بعيدا عن هموم شعوبهم الحقيقية وبمعزل عن الواقع المر بكل صوره المظلمة.

رحم الله أحمد خالد توفيق كان أعظم من الحياة.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.