ثقافة

محمد الصغير أولاد أحمد: ملح الشعر

في الذكرى الثانية لوفاته

 

حين كان أولاد أحمد رحمه الله حيا كتبنا في محاورته ومواجهته بما يقتضيه الشعر والفكر والسياسة.

أولاد أحمد كان له موقف من الإسلاميين ومن المتدينين ـ ربما ـ ولكن ليس موقفا من الإسلام والدين وليس من حق أحد محاسبة أي كان على معتقده.

وإن كان لابد من الحديث في عقيدة الرجل فهو مسلم مؤمن وأشهد له بذلك مع تحمله مسؤولية سلوكاته وممارساته واصطفافاته الإيديولوجية والسياسية كما يتحمل غيره نفس المسؤولية.

أولاد أحمد خاض صراعه الإيديولوجي بشراسة هي من حُمى المشهد السياسي عموما ومن إنتاج علاقة غير سليمة بين الثقافي والسياسي.

في 2008، وفي حصة بقناة لبنانية سئل عن الاستاذ راشد الغنوشي فأجاب حرفيا: “الرجل  مشرد ولا يملك وسيلة الدفاع عن نفسه فليس من المروءة التكلم عنه” سمعته وأشهد بذلك.

أولاد أحمد خاض معاركه بمفردات سياسية وإيديولوجية ولكنه لم يسب ولم يشتم ولم يتعرض لأعراض الناس كما يفعل بعضٌ ممن ننتظر منهم استقامة في الخطاب وأدبا في القول ووفاءً لصداقة.

أولاد أحمد اتهمني بالتحريض عليه ورددت عليه بقصيدة فهم أنه هو المقصود بها فرد علي بقصيدة فهمت أنه يقصدني ولكنه كلما تكلمنا في الهاتف كان على درجة من اللياقة عالية وحين طلب مني بعض قادة النهضة ترتيب زيارته في مرضه اتصلت به فرحب بهم وأهداهم نُسخا من مجموعته الشعرية.

في ديسمبر 2011 اتصل بي …التقينا وتكلم بما جعلني أفهم طبيعة الرجل ومزاجه وقلقه وتوجساته …لم يكن مستعديا أحدا إنما كان يقاوم “شبحا” يراه يستهدفه ويهدد حياته الشعرية والجسدية أيضا،كان مسكونا بروح طفولية فيها ذكاء وصفاء وتوجس.

 

نعم لقد كان محمد الصغير أولاد أحمد كما جمرة في موقد رماد لا تنطفئ ولا تكف عن إرسال حرارتها في طقس ثقافي بارد ميت سواء بفعل الإستبداد سواء بفعل الرتابة والسلبية

 

أيها الأصدقاء كلما عادانا شخص علينا أن نسأل إن كنا نتحمل بعض مسؤولية في استعدائه؟

أولاد أحمد لم يكن عدوا لا للدين ولا للإسلاميين وإنما كان شاعرا جامحا قلقا يتحمل كثير من السياسيين مسؤولية محاولة توظيفه خارج الإبداع ويتحمل كثير غيرُهم مسؤولية نفوره منهم ومما يدعون إليه.

لم ألتق الشاعر في حياتي إلا في مناسبتين تفصل بينهما عشرون عاما…وفي نفس المقهى: تحدث بما يجعلني أكتشف أن في أعماقه نداءاتِ الحياة وركضات الإيمان وأسئلة الإنسان وحيرةَ الشاعر وخوف من لا مُستقرّ له.

وإن كثيرا ممن يُعادونه من الشعراء خاصة ليس بسبب مواقفه أو مضامين شعره وإنما بسبب ما يظنونه حَجْبا لهم وتقليلا من حظوظهم كلما اكتسح هو مساحة ووسع من دائره حضوره وكأن سماء الشعر ضيقة ومقاعد الحضور فيها محدودة وإنما ضيق سماء الشعر في وعيهم من ضيق صدورهم.

كتبت السنة الفارطة خاطرة قلت فيها “أفتقد ملح الشعر”، نعم لقد كان محمد الصغير أولاد أحمد كما جمرة في موقد رماد لا تنطفئ ولا تكف عن إرسال حرارتها في طقس ثقافي بارد ميت سواء بفعل الإستبداد سواء بفعل الرتابة والسلبية.

كنت وعدته في قصيدتي ـ أيام مرضه ـ بأن أذكره وأذكّر بشعره ولستُ ممن ينسى وعده.

رحم الله الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد وغفر له ولنا وهو أعلم بعباده ورحمته وسعت كل شيء ولا يملك مفاتح الغيب إلا هو ولا يقف على باب جنته أو جحيمه قضاةُ أرض وأدعياءُ فضيلة..

الشاعر كما غيره حر في معتقده وسلوكه ما لم يعتد على غيره وأما ما يتعلق بشعريته فهذا من اختصاص النقاد والأدباء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.