مدونات

رسالة خريفيّة إلى صديقة بورمية

على امتداد خليج البنغال، هناك حيث أنت، حيث حرموني أصدقاء من الروهينجا المسلمة، هناك حيث حرموني منك، من صديقة تعيش مثلي حياة طبيعية لا يهدّدها الجوع والعذاب، لا يلاحقها الرصاص والاغتصاب، لا تنحر جسمها الأسمر تلك السكاكين التي حرّمها البوذيون على جلد البقر وسخّروها لذبح المسلمين من البشر هناك في ميانمار

 

الأشجار في فصل الخريف يا حبيبتي لا تعترف بالعاطفة ولا تعتدّ بقانون الأسرة ولا بنظرية الخبز والملح ولا بميثاق العشرة، هي ليست بحاجة إلى أوراق حسّاسة، متعبة الجسم، منتهية الصلاحية، شاحبة الوجه ومكسورة القلب بقدر ما هي بحاجة إلى زواج جديد وعمر مديد. هي لا تكتفي بنحر الأوراق، فتشرع في امتصاص جميع ما آتاها الله من زاد ومؤونة لتعيش، بينما تذوب المسكينة مرهقة في التراب أو تتفتّت خائرة بعيدا بين ذرّات الماء. يا لها من أنانية أشجار الخريف هذه، تمارس حقّ الاستبداد دونما خجل أو ملل، شأنها في ذلك شأن حكام في شعوب، حاشى الشجر!.

وعلى عكس الأشجار النفضية التي تنثر في الأنهار المهاجرة أوراقها الحسّاسة، أحتفظ أنا بنفسي الحسّاسة وأكتبها في أوراق. هي يا صديقتي أوراق لا أودّعها وأنا في طريقي إلى الشتاء بل أودعها لدى الشتاء، وحده الشتاء يحتويها كما تحتوي المعاطف الصوفية الناس، فأيلول لم يعد موسما تنمو فيه بسمتي كالماضي، كيف لا والحياة من حولنا ثورات وحروب وحصار، تجويع وتخريب ودمار؟

الخريف بتفسير آخر يا صديقتي هو موعد انتقام مجموعة ألوان من اليخضور الذي حرمهم ذات حياة من الظهور على ركح الورق وهو يواعد الشمس نيابة عنهم ودون رضاهم، لهذا تتلوّن الأوراق بالأصفر والأحمر والبرتقالي حالما يطيح الخريف بنظامه فتضمر قوّته وتستعيد هي مجدها الموسمي لتلقى الحياة في طريقها إلى الموت بفعل الاعتدال المشتق من العدل الذي يفتقر إليه الناس ويتمتّع به النبات.

لكلّ ورقة يا أختاه نصيبها من الأحضان ونصيبها من الألوان ونصيبها من الأحزان ولا نصيب لها من الأكفان، كلّ أوراق الخريف تدفن جريحة وعارية، محروقة وباكية، نحن فقط من نحاول ستر عوراتها داخل أوراقنا الاصطناعية لتتستّر علينا، فيفضح حضورها بين السطور أشجاننا وكم أخشى أنا أن يستمرّ خريف كتاباتي، لكنّي لسوء حظّي على مدى ما يحدث في العالم من حولي كأوراق الخريف المنتحرة أو الشهيدة، لا شيء يوقف ثورتي ولا هيئة يستوقفها غضبي وألمي، ولا زال الناس يسألونني عن الحزن المغروس في عينيّ هاتين.

 

هناك حيث يحرم المجرمون أنفسهم من لحم الأبقار ويحلّلون لها لحم الإنسان، هناك حيث لم تعد تحتمل كتف بنغلادش الغربية رفع طفل آخر باكٍ يحاول حماية أمه من التعنيف الجسدي والتحرش الجنسي، حرموني صديقة من أركان هي أنت، تروي لي قصص التجار المسلمين الذين دخلوا إليهم من أخلاقهم العالية فسكن الإسلام في قلوبهم وتحمّلوا جور القرون لأجله لأنهم وجدوه دين الحق

 

أستمدّ الحزن يا حبيبتي من عينيك ومن عيون أولئك الذين يجاهدون في الحياة فيقتلون بطريقة أو بأخرى، أستمدّ الحزن من عيون اللاجئين والمهجّرين والأسرى، فقد طالني ألمهم وألمّت بجوانحي مصائبهم، كيف لا وفي كلّ مكان من هذا العالم توجد أنا، مكبّلة اليدين خائرة القوى وفي كلّ مكان جريح أصلّي نافلتي وأدعو دعائي، ليس لأنهم قالوا لي ذات يوم إنّ المكان الذي أصلي فيه سيشهد عليّ يوم القيامة، وليس لكي أغرس في تلك الأماكن ذكرى، بل لأنّ نفسي حسّاسة بالفطرة ويستحيل أن أحتفل بالحياة وحدي، لهذا زرعت في كل شبر من قلبي قضيّة!.

وعلى امتداد خليج البنغال يحلّق قلبي كورقة خريفيّة نجت من الدهس في ذلك الركن منّي الذي اخترته قضية من بين قضايا عديدة يقلّها داخلي كسفينة شراعية تطفو على مياه هائجة، هناك حيث أنت وحيث ينعقد لسان العالم وتُنحر الإنسانية في ساق آسيا الشرقي حيث حرموني أصدقاء من الروهينجا المسلمة، يزمّلون وإياك قلبي ويدثّرونه من برد السفر، هناك حيث حرموني منك، من صديقة تعيش مثلي حياة طبيعية لا يهدّدها الجوع والعذاب، لا يلاحقها الرصاص والاغتصاب، لا تنحر جسمها الأسمر تلك السكاكين التي حرّمها البوذيون على جلد البقر وسخّروها لذبح المسلمين من البشر هناك في ميانمار.

هناك حيث يحرم المجرمون أنفسهم من لحم الأبقار ويحلّلون لها لحم الإنسان، هناك حيث لم تعد تحتمل كتف بنغلادش الغربية رفع طفل آخر باكٍ يحاول حماية أمه من التعنيف الجسدي والتحرش الجنسي، حرموني صديقة من أركان هي أنت، تروي لي قصص التجار المسلمين الذين دخلوا إليهم من أخلاقهم العالية فسكن الإسلام في قلوبهم وتحمّلوا جور القرون لأجله لأنهم وجدوه دين الحق، حرموني صديقة عادية العيش، ترسل لي صور أطباق السمك والأرز والفلافل المتبّلة حين نهيم في العالم الأزرق نتبادل العادات.

حرموني منها كما حرموها من جنسية وحريّة، وكما حرموها من أرض ووطن وبيت ومدرسة ومسجد، حرموني منها كما حرموها من الأذان والأعياد وكما حرموها من أسرة وقوت وعيش كريم وفرضوا عليها الضرائب والمصائب. حرموني منها كما حرموها من ليلة زفاف هادئة وفستان عرس زاهي وزفّوها إلى حبل الإعدام وعربة الشواء تلك التي يكدّسون فيها أجساد الأهالي حفاة عراة، حيث تهان البشرية وتموت الإنسانية.

حرموني أن أبقي على براءتي التي لم يسبق لها يوما أن رأت ما وراء جلد الإنسان، حرموني حتى من تلك الصورة الطفولية الساذجة التي عهدتها عن جسم الإنسان ولم ألطّخها حتى في دروس العلوم وكم كنت أكره مادة العلوم.

هناك في بورما حيث أنت وغير بعيد عن سور الصين العظيم الذي فقد هيبته إثر عطل إنساني أصاب كتفه الغربية، حيث يُنحر رجل ينادي ربيَ الله، أرسلت قلبي مهاجرا شرعيا من حقّه أن يمارس طقوس البكاء كما يفعل شيوخ البلاط على أطفال بورما ونسائها ورجالها، وطقوس الحزن كما تفعل أوراقنا الخريفية وطقوس التنديد كما يفعل لصوص القرن الواحد والعشرين وهيئة الأمم المتحدة التي فرّقت العالم.

كم يكفي العالم من سيول حمراء ليكفّ عن الصمت ويوقف العار العلني؟ كم يكفي شيوخ البلاط من دموع ليكفّوا عن البكاء ويبادروا بالإصلاح؟

وكم يكفينا من قوة لنشاهد الإنسان يقاسي شتّى أنواع التعذيب البشع في كل شبر من الأرض؟

وكم يكفيني من عِقد لأقنع نفسي أنّني تجاوزت مرحلة البراءة ويمكنني مشاهدة إنسان يسلّخ ويحرّق ويذبّح ويشرّح بسكّين بوذي متطرّف هناك في بورما دون أن أُفجع؟

في العقد الأول من عمري كان مذيع الأخبار وأمي يمنعاننا يا صديقتي عن مشاهدة ضحايا الإرهاب في أخبار وطني ومع ذلك كنت أختلس إليهم النظر بقلب قوي، لكنّي كنت أتذكرهم في كل مرّة ولا أجد من يفسّر لي تلك الحقيقة المرّة، حتى أصبت برهاب اللحى الطويلة وبالكاد تخلّصت منه.

وها أنا في العقد الثاني من عمري أكاد أودّعه ولا زالت أمّي تفعل ولم يعد المذيع كالماضي يهتم كثيرا لعبارة “يرجى عدم مشاهدة الأطفال والقلوب الضعيفة” وكم يكفيه من الوقت ليردّد العبارة عند كلّ خبر؟ فقد أصبحت الحياة صورة دامية تؤذي القلوب القويّة فما بالنا بالضعيفة في كلّ مكان من هذا العالم.

 

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد