مدوناتغير مصنف

 الاستبداد الديني في مواجهة نزعات التحرر العربي

مثّل صعود التيارات الإسلامية المعتدلة  بعد الثورات العربية تحديا فعليا للنموذج الاستبدادي الديني، لإثباته إمكانية بناء تصور إسلامي للعمل السياسي يقبل بالتعددية والحريات والتداول على السلطة خارج منطق الحكم الديني الجبري، وهو ما يفسر الحملة التي شنتها دول الاستبداد الديني على الأحزاب الإسلامية الصاعدة بعد الثورة

 

اثر اندلاع شرارة الثورات العربية انطلاقا من تونس وامتدادها بشكل متسارع، مهددة عروش الاستبداد حين استطاع الحراك الثوري المتصاعد في وقت وجيز أن يطيح رؤوس أنظمة بوليسية عاتية في تونس ومصر وليبيا واليمن وتصاعدت التحركات في سوريا وبدأت تدق أبواب دول أخرى.

 

كان هذا الفصل الأول من الحلم الثوري الذي كان يستمد قوته من عنفوان الشعوب الهادرة التي تطالب بالحرية قبل أن تأخذ الأحداث منعرجها عندما بدأت الثورة المضادة تستعيد أنفاسها وتحاول اخذ زمام المبادرة وهو تحول ساهمت فيه عوامل كثيرة داخلية وخارجية ولكن ما يمكن تلمسه ضمن حركة الردة على الثورات العربية أن النموذج الاستبدادي في سعيه لحماية ذاته وحفظ استمراريته قد اتخذ سمة معينة رعتها أنظمة محددة بدت متناقضة سياسة ومصالح ولكنها تنطلق من بنية استبدادية واحدة تستند الى منطق داخلي جوهره أن أي حراك يدعو الى إرساء منظومة قيمية جديدة أساسها الحرية يشكل خطرا ماحقا عليها.

 

الاستبداد الديني والثورة المضادة

من اشد النماذج الاستبدادية تماسكا وأكثرها عداء للثورات هي الأنظمة ذات الرداء الديني والتي تقدم نفسها بوصفها وصية على منظومة دينية غير قابلة للمناقشة والمراجعة والتي تستفيد من نفوذ بنته طيلة سنوات بالاشتراك مع أنظمة الاستبداد العربي في المنطقة الى الحد الذي أصبح معه بقاء الطغاة في السلطة شرطا حيويا لاستمرارية دورها ودوامه.

فمنذ اللحظة الأولى للثورة التونسية استقبلت المملكة العربية السعودية الرئيس المخلوع بن علي في لفتة غير ودية للحراك الثوري التونسي و ما زاد من متاعب النظام السعودي سقوط حسني مبارك الحليف الدائم والمعوّل عليه في تقديم خدمات بالوكالة لمصلحة هذا النظام ، وإذا كان النظام السعودي لم يخف تأييده للثورة الليبية أو السورية في بداياتها فإنه لم يكن تأييدا للقيم التي من اجلها قامت الثورة اعني الحرية والديمقراطية وإنما من خلال تصور جيوسياسي للتخلص من أنظمة مناوئة و/ أو حليفة لقوى إقليمية أخرى في المنطقة وهو ما يفسّر انقلابه اللاحق على هذه الثورات وانخراطه في دعم القوى المحلية التي سعت الى إعادة الاستبداد في كل من ليبيا واليمن ومصر.

وفي المقابل، فإن النظام الإيراني (والمستند أيضا الى منظومة دينية استبدادية) وإن كان قد رحب بما جرى في تونس ومصر وحاول تجييره لمصلحته من خلال رفع شعارات التأييد والاحتواء من قبيل أن ما جرى في البلدين إنما هو امتداد للثورة الإسلامية الإيرانية (هكذا؟؟) لكن ما أن وصلت بوادر الحريق الثوري الى الحليف السوري حتى اتخذ الموقف الإيراني ميسما آخر باعتبار أن ما يجري هو مؤامرة دولية صهيونية امبريالية استكبارية ضد احد أنظمة الممانعة والمقاومة.

 

 

أوجه التماثل بين النظامين السعودي والإيراني

من هنا يمكن أن ندرس أوجه التماثل والتطابق بين النظامين الإيراني والسعودي في تعاملهما مع الثورات العربية وهو أمر بالإمكان توصيفه على النحو التالي:

  • ينبني كل من النظامين الإيراني والسعودي على منظومة دينية تمنح الشرعية للحاكم خارج الاختيارات الشعبية وبعيدا عن الخلاف المذهبي الشيعي السني فإن نظام ولاية الفقيه الإيراني ليس إلا صيغة للحكم تقوم فيه الدولة بدور المهيأ لمجيء المهدي المنتظر ليقيم حكمه في الأرض وهو ما يعني أن جوهر السلطة غير قابل للتغيير أو المراجعة فسلطة الولي الفقيه ذات مصدر قدسي يستمدها من المهمة المنوطة به دستوريا.

وفي المقابل فإن الدولة السعودية نشأت باعتبارها تحكيما لشرع الله وأن الملك يتمتع ببيعة دينية لا سبيل لنقضها              أو مناقشتها في غياب أي اطر دستورية أو قانونية تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ومن هنا يمكن القول أن كلا                النظامين ورغم الاختلافات المذهبية وتضارب التوجهات السياسية بين شعارات ثورية إيرانية وأخرى محافظة سعودية              ينطلقان من منظومة قيمية متشابهة تقوم على الاستبداد بجذور دينية معلنة.

  • يشكل النموذج الاستبدادي الديني في صورتيه الإيرانية الشيعية أو السعودية السنية الحالة القصوى التي يمكن أن تبلغها الأنظمة المغلقة من حيث سلطة الدولة وقدرتها على الرقابة والمنع بصورة عنيفة وحادة وكلاهما يمثل ضلعا أساسيا على المستوى الإقليمي من حيث أنهما يقدمان نفسيهما بوصفهما حاميان للقيم الدينية وراعيان للطائفية في المنطقة وهذا ما يفسر حرصهما على بقاء الأنظمة الموالية لهما أو الحليفة خارج نطاق أي تغيير ديمقراطي يمكن أن يمثل نموذجا ناجحا ومغريا للشعوب من حيث إمكانية إدارتها لشؤونها السياسية من خلال الحوار والتداول على السلطة ومنطق المواطنة بعيدا عن وصاية الحاكم ذي الشرعية الدينية الموهومة.

 

 

الاستبداد الديني في مواجهة الإسلام المعتدل

مثّل صعود التيارات الإسلامية المعتدلة  بعد الثورات العربية تحديا فعليا للنموذج الاستبدادي الديني من حيث انه يثبت إمكانية بناء تصور إسلامي للعمل السياسي يقبل بالتعددية والحريات والتداول على السلطة خارج منطق الحكم الديني الجبري وهو ما يفسر الحملة التي شنتها دول الاستبداد الديني على الأحزاب الإسلامية الصاعدة بعد الثورة فجوهر الخلاف معها لم يكن مصلحيا سياسيا في ذاته بقدر ما يتعلق بتهديد بنية الفكر السياسي الديني القائم على الاستبداد.

ومن هنا كانت مسارعة النظام السعودي الى دعم الحالة الانقلابية المصرية وضرب التيار الإسلامي المعتدل بعنف لإثبات أن منطق الحريات والديمقراطية غير قابل للاستنبات في البيئة العربية وهو ذات التوجه الذي حرصت عليه في تعاملها مع الوضعين الليبي واليمني وبالمثل تحركت إيران وأحزابها الطائفية الى دعم النظام السوري وحمايته من الانهيار لأن سقوط النظام الطائفي هناك والتأسيس لدولة متعددة قائمة على المواطنة إنما هو نقض للتصور الذي تروج له والذي حاولت أن تجعل منه نموذجا قابلا للتصدير (شعارات تصدير الثورة الإيرانية التي رفعها الخميني من قبل).

شكّل ظهور التنظيمات السنية الدينية المتشدّدة رد فعل مباشر وميكانيكي على التوجهات الإيرانية والسعودية ونعني به تصاعد تأثير تنظيم “داعش” بوصفه نموذجا دينيا استبداديا أخر يحاول تثبيت أركانه في المنطقة رغم انف الجغرافيا والتاريخ وهو ما قدم خدمة مباشرة للنظامين الإيراني والسعودي حيث تحول الأمر من التآمر على الثورات العربية الى الإطاحة بتنظيم إرهابي متمدد في نوع من التعمية على المشروع المركزي لكلا الدولتين من حيث كونهما لا يسعيان الى دعم الحريات والانتقال الديمقراطي وإقامة دولة المواطنة في الدول التي يتدخلان فيها بقدر ما يتعلق الأمر بتثبيت أركان أنظمة استبدادية تخدم مصالحها وتسير في ركابها.

 

 

فالتصوّرات الدينية الاستبدادية وبغض النظر عن خلفياتها المذهبية تتبادل المصالح بأشكال مختلفة وتستمد شرعيتها من بعضها رغم ما يبدو من تنافر واضح بينها فلم يكن ممكنا للطرف الإيراني أن يجد موطئ قدم في اليمن لولا إفشال السعودية وحليفها الإماراتي للثورة اليمنية، وما كان للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب أن يجد لنفسه تبريرا أفضل وأجدى من ظهور تنظيمات مغلقة مثل داعش التي منحت النظام العراقي (تابع إيران) فرصة القضاء على أي نزوع نحو الديمقراطية في العراق وترسيخ أقدام الطائفية السياسية المتخلفة بشكل لم يسبق له نظير في تاريخ المنطقة. فالنزوع الاستبدادي في المنطقة وجد لنفسه تبريرا دينيا وواجه تحديا فعليا بعد ثورات الربيع العربي بوصفها النقيض الموضوعي له.

إن الثورة في ذاتها ليست مجرد حراك سياسي للقيام بانقلاب سلطوي وإنما هي ضرب للبنى التقليدية للممارسة السياسية وطرق إدارة الشأن العام وترسيخ منظومة قيمية جديدة تعيد الاعتبار لفكرة المواطنة والحقوق والحريات وتلغي التصورات الاستبدادية وهذا ما جعلها عرضة لمحاولات الإفشال والتدمير وهو ما سعت إليه أنظمة الطغيان في المنطقة وفي المقدمة منها أنظمة الاستبداد الديني التي خشيت أن تفقد شرعيتها ومبرر وجودها وهي التي تعتاش على تسويق وهم انه ليس بالإمكان أفضل مما كان.

 

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.