مجتمعغير مصنف

10 آلاف أم عازبة في الجزائر.. واطفال مجهولو النسب يتجرعون مرارة الخطيئة

الجزائر – ربيعة خريس _ مجلة ميم

 

تشهد أروقة العدالة الجزائرية يوميا عددا معتبرا من القضايا التي تجسد محنة ” الأمهات العازبات”  في الجزائر. بعضهن حالات استسلمت بسهولة  لنزوات عابرة،  وأخرى وقعت فريسة بين أيدي ” ذئاب بشرية “، ومنهن ضحايا لزنا المحارم أو زنا الأقارب.

ظاهرة طفت إلى السطح مؤخرا لتنخر جسد الأسرة الجزائرية، وتتقاسم كل هذه الحالات في الأخير نهاية ” مؤلمة “، كترك العمل أو الفرار من البيت، درءا للفضيحة، لأنهن يوصمن في نهاية المطاف بـ ” الفاسدات ”  كونهن حملن خارج الأطر القانونية، والتي لا تتوافق والشريعة الإسلامية.

يضاف الى هذه المآسي بروز ضحايا جدد هم أطفال يمضون حياتهم بوطنهم بلا هوية أو جنسية، ضائعين مشردين بلا حقوق أو تعليم، تلاحقهم نظرة المجتمع الاحتقارية أينما حلوا.

يحدث هذا في وقت يغيب فيه الطرف الأساسي في المعادلة … الرجل الذي اكتفى بإشباع رغبته الجنسية ثم اختفى دون ان يحاسبه احد.

وعرفت ظاهرة الأمهات العازبات مؤخرا انتشارا كبيرا في المجتمع الجزائر. ووفق إحصائيات حديثة كشفت عنها الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان،  تم تسجيل قرابة 10 آلاف حالة لأطفال ولدوا من علاقات غير شرعية, مع نحو ألف حالة جديدة سنويا, في وقت تتفادى الهيئات الرسمية في الدولة الجزائرية إثارة هذا الملف.

اذ اكتفت وزيرة التضامن والأسرة وقضايا المرأة, مونية مسلم, في ردها على سؤال لنائب بالبرلمان الجزائري حول ظاهرة استفحال ” ولادة الأطفال غير الشرعيين خلال السنوات الأخيرة”  بالقول إن قضية الأمهات العازبات هي مسؤولية الجميع من نخب وأسرة ومجتمع مدني ولا يمكن اختزالها في قطاع لوحده, لأن آثارها أخلاقية يتحملها المجتمع برمته.

 

صورة تعبيرية

المشرع الجزائري

وفي وقت تحولت هذه الأمومة إلى هاجس يطارد الأمهات العازبات لأن نظرة المجتمع لهن لا ترحم،  خاصة عندما يرفض الوالد الاعتراف بالمولود، فتواجه ” الأم العازبة ” لوحدها المصير المحتوم, منحها قانون الأسرة الجزائري جملة من الامتيازات.   الأهم بين هذه هو أنه يضمن لها الحق في التكفل بطفلها وحمل اسمها، مع السماح بالإبقاء على اسم الأب مجهولا في حال اختفائه نهائيا وعدم اعترافه بالمولود.

كما أن للأم الحق أيضا في تعيين كفيل لابنها إذا تعذرت عليها حضانته، في حين يمكن للطفل حمل اسم والده إذا ما اعترف به وأقر بذلك في جلسة مغلقة بالمحكمة.

ورغم أن الجزائر حققت تطورا غير مسبوق في مجال حماية الأمهات العازبات والنساء ضحايا كافة أشكال العنف على الصعيد القانوني، إلا أن هذه الشريحة تعاني من هشاشة وإقصاء منهجي. هذا ما جعلها اكثر عرضة لمختلف أنواع العنف واشكال التمييز، خاصة وأن مسارهن مليء بالأشواك والهزات النفسية يترجمه واقع إنساني محطم وظروف اجتماعية مزرية تدفع بالكثير منهن إلى الانتحار للتخلص من العبء الثقيل الملقى على عاتقهن.

 

صورة تعبيرية

هددن بالانتحار الجماعي مع أطفالهن حرقا

ويقول رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، هواري قدور، في تصريح لمجلة ” ميم ” إن مجموعة من النسوة برفقة أطفالهن في ولاية الشلف, تقع شمال غرب الجزائر, هددن بالانتحار الجماعي حرقا أمام مقر الولاية عام 2014، وذلك تعبيرا عن عدم الاكتراث بمطالبهن وتهديدهن المستمر بطردهن من المكان الذي كان يشكل بالنسبة لهن مأواهن الوحيد للتشرد في الشوارع.

ومن بين اللواتي قررن الانتحار السيدة  ” ب . فتيحة “، أصيلة ولاية الشلف، اذ طردت من بيت والدها برفقة ابنها رائد في عامه الثاني، وكانت تعيش من منحة تمدرس لتتمكن من مواصلة مسارها الدراسي لنيل شهادة الماجستير في علم الآثار بجامعة حسيبة بن بوعلي بالولاية ذاتها, واشتكت من مضايقة السلطات المحلية ونظرة المجتمع الدونية لها ولابنها.

قصة فتيحة لا تختلف كثيرا عن مأساة ” م . سامية”،  التي طردت من بيتها العائلي رفقة طفلها في شهره السادس.

بنبرة حازمة، تقول سامية، الأم العازبة,  انها شابة كسائر الشابات, كانت تحلم دوما بتأسيس أسرة عمودها التوازن والتربية ومبادئها الأخلاق، لكن وقوعها في الحب غير مسارها, وبداية قصتها كانت سلاما فكلاما فعشقا فلقاءات غرامية.. فمولود غير شرعي.

تبلغ سامية من العمر 24 سنة, قالت في شهادة مؤثرة “إني أكافح من أجل ابني رغم نظرة المجتمع وحكمه القاسي.. امر يوميا بمواقف جارحة ومهينة تتحملها.. لكنني ارفض ان يتعرض ابني للمواقف نفسها.. افعل قصارى جهدي لحمايته من عيون الناس واهاناتهم، وتوفير حاجياته، في ظل غياب الرعاية الاجتماعية”.

 

قتلن فلذات كبدهن لدرء الفضيحة

ولدرء الفضيحة لجأت العديد من “الأمهات العازبات” في الجزائر إلى التخلص من فلذات أكبادهن بطرق بشعة تقشعر لها الأبدان، بعد أن يجف نبع الحنان والعطاء لديهن، ويطغى العدوان والإجرام على غريزة الأمومة الإلهية.

 

 

وتجسد أروقة العدالة الجزائرية يوميا جرائم من أبشع ما يكون, نذكر منها ما حدث بإحدى ولايات الشرق الجزائري العام الماضي, جريمة بشعة راح ضحيتها مولودة أنثى.

حيث أقدمت أم عزباء في منتصف العقد الثالث بمساعدة عمها وزوجته على قتل ابنتها الرضيعة, وذلك بوضع قطعة قمـــاش على فمها بعد ولادتها حية، ثم دفنوها في مكان مجهول املا في دفن فضيحتها الأخلاقية معها.. وهناك الكثير من القصص الدرامية لأطفال مجهولي النسب يلقى بهم في القمامة، وآخرين يفلتون من هذا المصير المؤلم  فلا يجدون غير أرصفة الشوارع حضنا باردا لهم.

 

 

ولا تختلف هذه الجريمة المروعة عن تلك التي نفذتها أم عزباء بولاية سكيكدة تبلغ من العمر 37 سنة, قتلت جنينها بطريقة بشعة بعد أن كتمت أنفاسه حتى الموت, ثم دفنته بمساعدة أخيها بالقرب من مسكنهم العائلي.

وتتعدد الجرائم التي تلجأ اليها الأمهات العازبات للتخلص من مواليدهن حديثي العهد بالولادة، عن طريق خنقهن أو غمّهن بالوسادة لسهولة الفعل، او التخلص من الرضيع برميه داخل أكياس القمامة أو إلقاء الجثة في مكان بعيد عن موقع السكن.

ألف حالة سنويا

وحسب التقرير الأخير الذي أعدته الرابطة, فإن عدد الأمهات العازبات في الجزائر بلغ حتى مطلع عام 2017 في حدود عشرة آلاف أم عازبة، علما أنه يتم تسجيل أكثر من 1000 أم عازبة في كل سنة.

وأرجع هواري قدور, معد هذا التقرير, أسباب استفحال الظاهرة في المجتمع الجزائري إلى السكوت عن جريمة الاغتصاب خوفا من العار وشرف العائلة والتفكك الأسري بالإضافة إلى التربية غير السليمة”، إلى جانب “الاضطرابات النفسية، وعدم تقدير العواقب، واضطرابات المراهقة، والحرمان العاطفي”.

وحسب الإحصائيات التي كشف عنها التقرير, فإن العديد من الأمهات العازبات يلجأن إلى عمليات إجهاض تكون فاشلة في غالب الأحيان, ويتم تسجيل أزيد من 300 عملية إجهاض سنويا خارج المؤسسات العمومية الاستشفائية.

3 آلاف طفل مجهول النسب في الجزائر

لكن الأرقام التي كشفت عنها رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الجزائر, فافاسي لخضر بن زروقي، تشير الى أن “عدد الأطفال مجهولي النسب في الجزائر يصل إلى 3 آلاف طفل حسب آخر الإحصائيات”، مطالبة “بضرورة تطبيق قانون الحمض النووي لإثبات نسب الطفل “خارج الزواج”، مثلما هو مطبق في حالة الزواج”، مؤكدة ان “حرمان الأطفال الذين تم انجابهم خارج الزواج من النسب يعد انتهاكا لنص المادة 7 من الاتفاقية العالمية لحقوق الطفل، التي تضمن للطفل حقه في الاسم والنسب عند ميلاده”.

التحرر وراء استفحال الظاهرة

وتقول الباحثة والمحامية الجزائرية، الخبيرة المتخصصة في أحوال الأسرة, فيروز سلال, في تصريح لمجلة ميم:

“حقيقة شهدت هذه الظاهرة ارتفاعا في الآونة الأخيرة لكن في مناطق معينة من الجزائر، خاصة في الولايات الشمالية والغربية،  لعدة أسباب أبرزها سوء استخدام مفهوم التحرر الذي ساهم بشكل كبير في انتشار ظاهرة الانحلال الخلقي في المجتمع الجزائري.  والدليل على هذا القضايا التي تشهدها أروقة العدالة الجزائرية يوميا، خاصة ما تعلق بقسم شؤون الأسرة “.

وتشير المتحدثة إلى ان قانون الأسرة الجزائري قد منح الأم العازبة جملة من الحقوق لكنها حسب رايها محدودة جدا. وتؤكد سلاّل بأن قانون الأسرة لا يعاقب الأم لعازبة ولا يتابعها في المحاكم إلا في حالة ثبوت أنها ارتكبت جنحة في حق الرضيع بالإساءة إليه, كما أنه يضمن لها الحق في التكفل بطفلها وحمل اسمها, مع السماح بالإبقاء على اسم الأب مجهولا في حال اختفائه نهائيا وعدم اعترافه بالمولود.

 

“أمهات عازبات ” يطرقن باب الدعارة

وتصف رئيس فرع جمعية حورية للمرأة الجزائرية بالجزائر العاصمة, دليلة حسين في تصريح لمجلة ميم  “ان ظاهرة الأمهات العازبات موضوع خطير وحساس، وهو من بين الظواهر التي تصعب معالجتها ودراستها لعدة أسباب أبرزها أنه موضوع شاسع وشائك في آن واحد يمكن تناوله من عدة زوايا وأيضا لغياب إحصائيات رسمية عن هذه الفئة”.

وتشير أيضا إلى صعوبة التعامل معهن فأغلبهن يتسترن على ما تعرضن له خوفا من الفضيحة, كما أن معظمهن يفضلن الولوج إلى عالم الدعارة بعيدا عن الأنظار.

وتؤكد دليلة حسين, أن جمعية حورية للمرأة الجزائرية، وهي مؤسسة وطنية اجتماعية تهتم بالقضايا الأسرية وقضايا المرأة وتسعى للارتقاء بالمجتمع والأسرة والطفل, أن المنخرطات في الجمعية تكفلن بإيواء أربعة أمهات عازبات من خلال توفير المأوى لهن ولأطفالهن بعد أن كان الشارع مأواهن الوحيد.

وتشير إلى أن الجمعية سبق وأن راسلت وزارة التضامن الوطني والأسرة للنظر في وضعية هذه الفئة التي وجدت نفسها بين سندان المجتمع ومطرقة الإحساس بالذنب, إلا أن الوزارة الوصية طلبت من الجمعيات توفير مراكز إيواء خاصة بهذه الفئة، وهو ما يعجزن عن توفيره، نظرا لعدم توفر الدعم المالي المطلوب.

قضية مسكوت عنها في البرلمان الجزائري

وتعد قضية الأمهات العازبات, من بين القضايا الاجتماعية المغيبة على مستوى البرلمان الجزائري لعدة أسباب أرجعها عضو لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية بالمجلس الشعبي الوطني, يوسف برشيد, في تصريح لمجلة ميم إلى غياب إحصائيات رسمية عن الظاهرة.

ويرى السيد برشيد أن “معالجة هذه الظواهر هي من صلاحيات المجتمع المدني. فصلاحيات البرلمان تنحصر في التشريع أو مساءلة الحكومة, والنائب، وفي ظل غياب إحصائيات رسمية عن هذه الظواهر التي استفحلت مؤخرا في المجتمع الجزائري، لن يكون بإمكانه فتحها للنقاش على مستوى الهيئة التشريعية التي تنحصر مهامها في مناقشة مشاريع القوانين ومساءلة الحكومة حول قضايا تهم الرأي العام، والجمعيات هي المعنية برصد كل ما يتعلق بهذه الفئات الاجتماعية والتكفل بها”.

الوسوم

اترك رد