منوعاتثقافةغير مصنف

مليكة اوفقير: “السجينة” التي سرق الملك حياتها

 

كم هو لافت ومذهل ان يترعرع المرء بين الأمراء وفي حضن الملوك وان يعيش تلك الحياة الناعمة التي يرفل أهلها في الحرير ويتذوقون أطايب الطعام في ملاعق من الذهب.

لكن الملفت أكثر والصادم هو ان تتحول هذا كله في لحظة كطرفة عين إلى سجن قاتم يقبع فيه من تربى في القصر يقضى أيامه في قبو مسلوب الحرية والكرامة وهو في عمر الزهور التي تتفتح للحياة.

تلك هي باختصار موجع قصة مليكة اوفقير ابنة الجنرال المغربي محمد اوفقير وفاطمة الشنا التي كنا قد رصدنا حيزا لكتابها الموسوم بحدائق الملك والذي خصصته لتجربة سجنها من قبل الملك الراحل الحسن الثاني مع أبنائها الصغار وخادمتها وقريبتها قرابة عشرين عاما منها حوالي 14 سنة في الصحراء المغربية والبقية تحت الإقامة الجبرية وروت تفاصيل تلك الحقبة السوداء التي عاشتها وظروف هروبهم التي تشبه القصص الخيالية.

وفي هذا الكتاب الموسوم بالسجينة تروي ابنتها الكبرى مليكة تفاصيل هذا السجن من زاويتها وبمفرداتها مع إضافات خاصة وحميمية لتلك التجربة المريرة التي عاشتها.

وهذا الكتاب صاغته مليكة اوفقير بالتعاون مع ميشيل فيتوسي وفيه تلتبس الكثير من القضايا والوقائع التي تعانق الخيال أحيانا في تراجيديتها ولكنها واقع معيش رصدته ابنة الجنرال.

 

 

وتنطلق الحكاية عندما كانت مليكة اوفقير في سن صغيرة

الملك رفقة ابنته للاّ امينة وابنة الجنرال اوفقير، مليكة حين كانت في الثامنة من العم

جدا لم تتجاوز الخامسة عندما احتضنها الملك محمد الخامس وتربت مع ابنته الأميرة أمينة وكانت بمثابة الشقيقة لها. وعلى هذا الأساس تمت معاملتها وتربيتها فقد حظيت بالاهتمام والرعاية والترف الذي تحظى به أي أميرة في قصر ملكي وبعد وفاة الملك محمد الخامس وتولي الحسن الثاني العرش واصل المهمة وأكمل تربية الطفلتين الأميرتين دونما تفرقة أو تمييز.

وتطنب مليكة اوفقير في وصف تلك الحياة الجميلة التي اختزنتها ذاكرة تلك الطفلة وتسهب في سرد يومياتها كأميرة ترفل في الحرير ويحنو عليها الجميع.

 

الجنرال اوفقير مع احد ابنائه، الذي تحول الى اصغر سجين سياسي بعد اعتقال الاسرة

 

وحدث التحول الأول في حياتها عندما بلغت سن السادسة عشر عام 1969 وقتها غادرت القصر وعادت إلى بيت أهلها وأدركت للمرة الأولى ربما أنها ليست من سلالة الأسرة المالكة وان حياة القصر كانت مرحلة عابرة وهذا سيترك أثرا ما في نفسها.

ولكن الانقلاب الدرامي الخطير في حياتها بدأ مع محاولة انقلاب والدها الجنرال محمد اوفقير على الحسن الثاني وفشله في ذلك ثم قتله وبداية مشوار العذاب والمعاناة لها ولوالدتها وباقي أشقائها وذلك عندما أمر الملك بأبعادهم إلى الصحراء المغربية وسجنهم في ظروف قاسية لا تتوفر فيها أدنى مقومات الكرامة الإنسانية.

 

والدا مليكة اوفقير حين كانت الاسرة جزءا من حاشية الملك

 

كانت نقطة الاستفهام كبيرة في ذهن الطفلة أو المراهقة التي كانت تتمزق من الحيرة وتتساءل : ” كيف لأبي أن يحاول قتل من رباني وكيف للأخير الذي طالما كان لي أبا آخر أن يتحول إلى جلاد”؟

 

الجنرال اوفقير حين كان مقربا من الملك الراحل

 

الجنرال اوفقير قبل الانقلاب

 

وفي كتاب السجينة الذي صدر بالفرنسية ثم بالانجليزية في وقت لاحق قبل أن يصدر العربية تعرضت مليكة اوفقير إلى تفاصيل دقيقة عن حياة السجن وشظف العيش الذي عانت منه وهي التي تعودت على الترف فوجدت نفسها سجينة في الصحراء الكبرى ونتوقف في هذا الكتاب عن أشياء كنا قد تطرقنا إليها في ورقة سابقة لدى تقديم قراءة في كتاب حدائق الملك لوالدتها فاطمة اوفقير.

 

فاطمة الشنا، والدة مليكة اوفقير

 

ويكشف الكتاب المستور عن علاقة الحاكم بالمحكوم في ظل الأنظمة الاستبدادية والتي يبدو فيه مصير الأفراد مرهونا بأحداث قد لا يكونون فاعلين فيها وتنقلب حياتهم رأسا على عقب وهو ما حدث لمليكة اوفقير وترويه في سيرتها الموسومة بالسجينة.

 

مليكة اوفقير رفقة شقيقها

ومن المفارقات العجيبة حقا هو أن القصر الذي ساهم في تربيتها على الشجاعة وقوة الشخصية والجرأة هو ذاته الذي ألقى بها مع أفراد أسرتها في غياهب السجون وبفضل الصلابة التي اكتسبتها تمكنت بمعية أهلها من مواجهة المصير القاتم والانتصار في النهاية. وهو ما ترويه في الكتاب حيث تتعرض إلى تفاصيل هروبها عبر النفق السري الذي حفرته مع عائلتها.

وباعتبار أنها كانت الأخت الكبرى فقد كانت تقوم بالدعم المعنوي لأشقائها الصغار وتمنحهم الثقة من اجل القدرة على تحمل المصير القاتم الذي وجدوا أنفسهم فيه.

 

فاطمة ومليكة اوفقير

 

فقد لعبت مليكة اوفقير دور توحيد الأسرة وعملت على تعليم أشقائها الصغار سواء دروس المدرسة التي لم يتمكنوا من مواصلتها أو دروس الحياة التي سبقتهم إليها. ولعله بفضلها وبفضل والدتها تمكنت الأسرة من مواجهة قسوة السجن والفراغ القاتل والعزلة المميتة وأسهمت هذه الفتاة في التخفيف من وطأة السجن بل كان ذلك دافعا لإيجاد أفكار خلاقة ومبتكرة أسهمت في خروجهم من السجن بالذكاء والحيلة والقدرة أيضا.

 

صورة للاسرة في سجنها

 

وروت مليكة اوفقير تفاصيل الهروب رفقة شقيقتها وشقيقيها تاركة والدتها وباقي أفراد الأسرة ثم ما آلت إليه الأحداث بعد الهروب الكبير الذي شكل تحولا كبيرا في حياتهم فقد أنقذهم من الجحيم الأرضي الذي عاشوا فيه عقد ونيف.

 

مليكة رفقة والدتها

 

لكن الحياة ستعلم مليكة التي كانت اسما على مسمى ما معنى أن تنقلب حياتها وينكرها الجميع وتعيش غربة قاسية لعلها أقسى من حياة السجن ونعني فترة الإقامة الجبرية التي دامت حوالي أربع سنوات مع أسرتها.

وعندما تحولت قضية عائلة اوفقير إلى قضية رأي عام عالمي واتخذت طابعا إنسانيا تمكنت هذه الأسرة من مغادرة المغرب عام 1991 في اتجاه فرنسا وهناك بدأت مليكة حياة جديدة.

 

ولعل قيمة هذه الرواية السيرة تمكن في أهميتها التاريخية وليس الفردية فحسب فهي تحيل على حقبة مهمة من تاريخ المغرب المعاصر وهي ما عرفت بسنوات الرصاص التي ظلت من المسكوت عنه وليس هذا فحسب فهو إماطة للثام عن طبيعة الأنظمة الاستبدادية الحاكمة في دول العالم الثالث.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.