مدونات

عشر دقائق على متن القطار مع شقراء

لا أدري أية كلمة سحرية جعلت هذه المرأة القلقة المضطربة تشع فرحا وثقة وجمالا واطمئنانا

 

انت الشمس تلقي بنور برتقالي دافئ على وجهي المسترخي، وكان القطار يهدهدني مثل أم حنون بينما كنت مسندة رأسي إلى زجاج النافذة، تسترق عيناي نصف النائمتين النظر إلى الريف الألماني الذي تشقه السكة الحديدية، بينما يصدح في سماعات الهاتف في أذني صوت عمرو دياب المخملي الجميل: والله ما كان على بالي يا هوى!

كنت على وشك النوم لولا أن أيقظتني رجة هائلة للعربة بدا معها وكأن القطار تعثر على سكته للتو. سقط الهاتف من حضني وخرجت السماعات من أذني واصطدم رأسي بالزجاج بعنف وشعرت فجأة بأنني في عالم جديد غير الذي كنت فيه.

اختفى صوت عمرو دياب من سمعي ليحل مكانه هدير المحركات وضجة الركاب وصراخ رضيع بعيد، وتحول النعاس اللذيذ فجأة إلى صداع خلف العينين. استفقت منزعجة، وهممت بإعادة وصل السماعات مجددا لولا أن وجهها المرتاع شد انتباهي.

كانت تلك الشابة العربية تجلس في كرسي مقابل لي من الطرف الأخر من العربة قرب من يبدو أنه زوجها، بينما عيناها مثبتتان على ما خيل لي أنه شخص يأتي من الخلف. تساءلت في نفسي عن سبب ذعرها، هل الشخص القادم هو مفتش القطار؟ ألا تملك تذكرة مثلا؟

لم يطل تساؤلي، التفتّ لأرى من القادم، كانت شقراء ألمانية جميلة تمر بين صفوف المقاعد بحثا عن مكان لها. انتبه الرجل من شروده أيضا ولفتت نظره هذه الأوروبية التي بدأت تتجه نحوهما مباشرة.

قاومت ابتسامة عنيدة عندما رأيت أكبر مخاوف الزوجة تتحقق حين اتخذت الفاتنة الألمانية المقعد المقابل لزوجها تماما مجلسا لها.

استدارت الزوجة استدارة سريعة إلى زوجها، فغض الأخير طرفه بلمح البصر وتابع انشغاله بهاتفه.

لففت سماعتي هاتفي على إصبعي المتباعدين ثم أغلقت عليهما سحاب حقيبتي. يبدو أن ما يجري أمامي الآن أكثر تسلية من أغاني عمرو دياب ورومنسياته القديمة.

كان أمام القطار ما يقرب العشر دقائق حتى محطته الأخيرة، ويبدو أن العشر دقائق هذه ستمر ثقيلة جدا على هذه الزوجة التي ما فتئت تنقل نظراتها بين وجه الألمانية الذي دسته في كتاب وبين وجه زوجها الذي دسه في هاتفه بينما يعلو جبينها قلق فاضح.

لم أستطع في تلك البرهة القصيرة تبين ملامح الألمانية جيدا، لكن شقرتها لمعت تحت الشمس في شعرها المسترسل المقصوص حتى كتفيها، كما أن بشرتها النقية بانت في ساقيها المتكئين على بعضهما البعض من تحت بنطال ممزق. كانت تبدو باختصار خارجة للتو من أحلام يقظة مراهق عربي، أو من مجلات الموضة الملقاة على تربيزات الانتظار في صالونات التجميل العربية.

أما الزوجة فكانت امرأة عربية تقليدية لا تتمتع بجمال مميز، بعينين عاتمتين وملامح شرقية وشال ملتف حول الرأس عدة مرات، تبرز من جانبه بضع شعرات مصبوغة بشقرة فاقعة مزيفة.

وأما الزوج فكان أيضا شابا عربيا عاديا كممثلي الكومبارس الذين يظهرون في المسلسلات، بل لعله بعيد في ملامحه عن الوسامة، لكن مسحة من أنس ولطافة تتجلى في وجهه الأسمر.

وبدا لي تحت الرقابة الشديدة التي مارستها الزوجة على زوجها أنه لم يستطع أن يختلس إلى تلك الجميلة نظرة أخرى. كان طوال الطريق منشغلا بأزرار هاتفه، أو سارحا بنظره عبر النافذة المجاورة.

انشغلت الزوجة فجأة بالتنقيب عن شيء ما في حقيبتها الضخمة، ثم سكنت سكونا مريبا مبحلقة في قاع الحقيبة بينما يتحسس إصبعها شامة بارزة في جبينها. مرة أخرى وجدت نفسي مجبرة على الابتسام حين لمحت بقعة مركزة من الإشعاع انعكست على وجه الزوجة.

لم يكن ما انشغلت به حقيقة سوى مرآة مخبأة في حقيبتها، تستدعيها النساء كصديق قديم يتحققن به من هيئتهن في أي ظرف طارئ. ما لبثت أن أغلقت سحاب حقيبتها على مرآتها حتى شرعت تتأمل أصابع يديها فاردة إياهم على فخذيها، ثم سحبت كم ثوبها قليلا نحو الأعلى وكأنها تبحث عن بياض ينفي عن كف يدها تهمة السمرة.

عشر دقائق مرت، لم تستطع الشابة الثبات في مقعدها لدقيقة واحدة، كان توترها باديا في حركاتها الكثيرة التي يتخللها استراق النظر بين الفينة والفينة إلى وجه زوجها. يبدو أنه هو أيضا لحظ توترها لأنه بادرها بالابتسام عدة مرات.

 

يبدو أنها استغنت عن مرآتها المخبأة حين رأت نفسها جميلة في عينيه

 

لا أدري كم مرت هذه الدقائق العشر ثقيلة على هذه الزوجة الشابة، لا أدري كم بذلت من جهد نفسي لكي تتوازن مع إحساسها بالنقص أمام امرأة تتحقق فيها كل معايير الجمال في مجتمع يستورد معاييره من قارة أخرى، لا أدري كم مرة تفحصت وجهها في المرآة المخبئة وكم مرة سكنت تتأمل تلك التي جلست مقابل زوجها، وكم مرة فردت أصابعها ورفعت أكمامها ولامست شامة جبهتها.

أعلنت سائقة القطار عن اقتراب الوصول إلى المحطة الأخيرة، وطلبت من الزوار توضيب أغراضهم، ويبدو أن الشقراء كانت على عجلة من أمرها لأنها سرعان ما وضعت كتابها في حقيبتها ثم ارتدت معطفها وتوجهت إلى أحد المخارج.

قمت أنا أيضا بتجهيز أمتعتي. كانت الزوجة تتبع خطوات الألمانية المبتعدة وفي عينيها نظرة انكسار. وقد ظننت أنا أن نظرة الانكسار هذه هي نهاية القصة المتوقعة التي سأحملها في ذاكرتي من رحلة الدقائق العشر تلك، قصة بدأت مسلية، لكنها لم تعد كذلك.

على حين غرة مال الشاب الأسمر أنيس الوجه بشفتيه على أذن زوجته وهمس لها بشيء ما مبتسما.

ورأيت هذه المرأة التي كانت للتو قلقة مرتاعة حزينة تتورد فجأة خجلا وانفعالا بينما ترتسم على ملامحها ابتسامة عريضة للغاية كنست عن وجهها كل القلق وكل الحزن وكل الانكسار. فرحٌ صرف تجسد على هيئة ابتسامة في هذا الوجه الصغير، فرحٌ لو طلب مني وضع تعريف له في المعاجم لاكتفيت بالتقاط صورته على وجه هذه الشابة المتورد.

وقفت مذهولة أرقب المشهد، القطار يتباطأ باطراد، الزوج يوضب الحقائب مبتسما، الزوجة تميل برأسها إلى النافذة، سارحة في عالم آخر والابتسامة لا تفارق محياها الذي بدا فجأة أكثر جمالا بكثير.. يبدو أنها نسيت أمر غريمتها الشقراء تلك، يبدو أنها نسيت ثخانة أصابعها ووجهها الباهت والشامة البارزة في جبينها، يبدو أنها استغنت عن مرآتها المخبأة حين رأت نفسها جميلة في عينيه.

لا أدري ما الذي قاله ذلك الزوج لزوجته حقا، لا أدري أية كلمة سحرية جعلت هذه المرأة القلقة المضطربة تشع فرحا وثقة وجمالا واطمئنانا، لا أدري.. لكن القطار توقف الآن، وعلى جميع الركاب المغادرة، وعلي أنا أن أحتفظ بوجه هذه المرأة المبتسم في ذاكرتي إلى الأبد… كنهاية جميلة لهذه القصة القصيرة..

الوسوم

ديما مصطفى سكران

مدونة سورية

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “عشر دقائق على متن القطار مع شقراء”

  1. في زمن ماتت كل الاحاسيس و سافرت ذكريات زمن و عجزت القلوب ان تحب و الاحلام ان تدغدغ الليالي الطويلة ضحك الحزن واخدت الالام وجودا بين الورود الجنائز و زفاق المدينة ليت كانت ……..

اترك رد