مجتمع

“الحبس كذّاب”.. صور فوتوغرافية عن الحرية بعيون مساجين

مبدعون

 

“الحبس كذاب والحيّ يروح”، مثل شعبي اعتاد ترديده نزلاء السجون، يلخص عالما موازيا رسمت له من الخارج صورة نمطية عن القمع والردع لأناس أخلوا بالقواعد المجتمعية فاستوجب ذلك ابعادهم عن المحيط، انتهت صلاحيتهم بالنسبة للمجموعة ويجب ضبطهم في مكان عالي الاسوار لقمع “شرهم”.

 

أيمن زوالي مصور فوتوغرافي وصاحب مشروع الحبس كذّاب

 

هذه الصورة القاتمة لمن يراقب  نزلاء السجون التونسية من موقع المتفرج، لكن أيمن زوالي، مصور فوتوغرافي شاب، اختار ان يغوص داخل العالم المغلق بالقوانين والاحكام المجتمعية والاسوار، وينبش داخل روح السجين، من خلال الصورة التي لم يكن هو ملتقطها هذه المرة، بل السجناء  انفسهم.

 

الحرية الهاجس الأبدي

عندما تختزل الصورة روح مصورها

(يؤمن أيمن أن كل صورة عظيمة ترينا شيئا نبصره بالعين مع شيء مدركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة، لذا كانت العيون والنظرات في معرضه الأول، الذي حمل  نفس العنوان”نظرات”، هي المحور الرئيسي لصوره).

 

من معرض نظرات

 

العين هي نافذة الروح،يقول أيمن، عندما كنت اتنقل في أنحاء البلاد، كمصور صحفي بإحدى القنوات الخاصة، عايشت كثيرا من الاحداث، لقد كانت الفترة من 2011 إلى حدود 2014، فترة الامل، استشعره اولئك القابعة في اماكن مجهولة، الذين لم تطأ أرضهم أقدام مرشح انتخابي إلا بعد الثورة، والذين حملت نظراتهم أملا لكل وافد جديد.. سياسي كان أو حتى صحفيا.

أحسست في بعض الصور ان العيون تحمل الحزن و الغضب، لكنه كان مشوبا بالامل، لا أتذكر شخصيات من اصورهم، هم عابرون عشوائيون كحال وجودهم تماما، فقط كانت نظرتهم المباشرة، الحالمة بغد أفضل و الغاضبة من النسيان هي ما تختزله روحي فينعكس في الصورة.

 

 

لم أستطع الاستمرار،  صعب جدا ان تواجه كل تلك النظرات والألم والخذلان يتدفق منها “علاش نسيتونا؟ شنوة باش يتبدل توا كي جيتوا؟”

أسئلة لم أستطع الإجابة عليها بيني وبين ذاتي، أفضت بي إلى الفراغ، كحال أغلب الشعب التونسي، حالة من الامبالاة تدفعني فقط لانهاء عملي وتصوير بعض “الكادرات” ثم الخروج مسرعا، المعاناة والألم اللذان دفعاني إلى اقتناص  الزمن حينها غاب في المنطقة الرمادية، وبدأت أفقد روح الصورة.

 

 

(يتوقف أيمن قليلا عن الكلام، ولا أجرأ على مقاطعته، ينبش داخل ذاكرته لا ليبحث عن أسماء بل عن أحاسيس، التفاصيل المادية تعني شيئا فقط حين ترتبط بفكرة، يواصل الكلام دون ان أسال حتى).

هكذا جاءت فكرة “الحبس كذاب”، كنت أبحث عن شغف جديد، عمن أسرق منه موضوعا لصورة تثيرني ، شهوة لإعادة خلق معنى من العبث المحيط بي، وصادفت ان كنت أصور تقريرا في السجن املدني بقفصة، حينها جائتني فكرة لماذا لا قدم مشروعا، بدل أن أكون انا االمصور، دعني أؤطر مجموعة من المساجين حتى أرى العالم من خلال عدساتهم، وهكذا انطلق المشروع.

 

 

 

صور في سجن مهجور!

مرت الإجراءات الإدارية بسلاسة، وبدأت العمل مع مجموعة من 10 سجناء، الشهران الأولان مرا في دروس نظرية، تصورت، ويا لخطئي! ان المفاهيم صعبة على استيعباهم، لكنkي فوجئت بسرعة فهمهم، كنت أعلمهم الدرس، ليأخذوا بعد ذلك في مراجعته لمدة أسبوع كامل حتى موعد الدرس التالي دون ملل، فالوقت أكثر ما يملكه السجين..

 

الكابران في السجن..لبس مهرج ووجه عبوس..رمزية مزدوجة

 

في البداية، لم أكن أعرفهم معرفة شخصية، كانوا بالنسبة لي مجرد “أدوات” لتنفيذ فكرة وللوصول إلى مناطق نفسية مختلفة، لكن تعمقي في المشروع خطوة بخطوة كشف لي عن عالم آخر تماما، مختلط متشعب وحشي.. وانسائي إلى أبعد الحدود.

 

غضب

 

بعض السجناء انضموا إلى ورشة التصوير الفوتوغرافي في البداية للهرب من الزنزانة، لكن الصورة جاذبة، شيئا فشيئا حملهم عالم الكاميرا والصندوق الأسود الصغير إلى خارج قضبان السجن، لذا من الطبيعي ان تتركز كل مواضيع الصور حول الحرية.

ان تكون سجينا مهما كانت المدة التي ستقضيها، من شأنه ان يغير فكرتك عن العالم الخارجي، اكتشفت كيف تتغير رمزية الاشياء في السجن عن خارجه، فيصبح مجرد بث مباراة كرة قدم محلية، وهو أمر لا ينتبه له الكثيرون في الحياة العادية، وذو وقع كبير على نفسية السجين المرتبط بالعالم الخارجي فقط بواسطة التلفاز.. هو يعني ان العالم الخارجي بخير.

 

يحمل السجين معه إلى داخل الزنزانة همومه المجتمعية

 

فالسجين الحامل لهمومه و هموم أسرته وأبنائه، خلال العزلة الاجبارية المفروضةعليه، يسعى بكل السبل إلى استطلاع العالم الخارجي، فمادام بخير، يعني ذلك ان حملا انزاح من على كتيفيه، ويعني ايضا ان الامل قائم في أن يخرج إلى عالم يعرفه ليس بغريب عنه.

24 صورة والهاجس واحد.. الحرّية

بدأت الحصص التطبيقية لورشة التصوير الفوتوغرافي في السجن، انجزنا 24 صورة، بعضها قضينا 3 أسابيع لإنجازه، وحملت كل صورة رمزية معينة، هي إحساس السجين بما حوله، بالضوء الذي يمثل الحرية، “الحديد” أي القضبان، تمثله “للكابران” (هو سجين لكنه مكلف من طرف إدارة السجن بضبط النظام بين السجناء)، وعلاقته المختلطة بين الخوف والنفاق..

في مرحلة متقدمة من المشروع، بعد ان تلاشت الحواجز المعرفية واصبحنا في مستوى واحد، اضحت الصورة همنّا جميعا،  نقضي ساعات في النقاش حول تعديل هذه التفصيلة أو تلك.. كانت فسحة من الزمن ومن المكان أيضا رغم ان ستوديو التصوير سجن آخر ايضا..

 

رغم القضبان ينفذ الضوء ليرحل معه السجين بروحه بعيدا.. إحدى صور معرض “الحبس كذّاب”

 

اتمنى ان تعمم هذه التجربة، فكل شخص لديه فنان بداخله ينتظر الفرصة كي يقدّم افضل ما لديه، أنا أؤمن بهذا، خاصة بعد تجربة السجناء الذين لم يكن لأي منهم مستوى ثقافي نخبوي، لكن ما انتجوه من انفعالات يقدم درسا في الانسانية للعالم الخارجي.

انتهى.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد