ثقافة

ماذا لو قرأ نضال غريبي رسالة تولستوي بدل أن يكتب رسالة موته؟

ثقافة

This post has already been read 50 times!

 

“حتى أنت يا نضال”…بهذه الكلمات رثى أصدقاء الكاتب والمدون التونسي، نضال غريبي، الذي خير الموت على الحياة، الثلاثاء الماضي مخلفا صدمة لعائلته وأصدقائه، بعد أن وُجد مشنوقا في منزله بالقيروان وسط البلاد.

وقد خير الناشط التونسي (32 عاما)، الانتحار بسبب أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية الصعبة وفق ما أكدته عائلته والمقربين منه.

ويُعد غريبي من أصحاب الشهادات العليا الذين عانوا من التهميش في فترة ما قبل الثورة، ولم يحصلوا على وظيفة بعدها.

وقد ترك الشاب التونسي رسالة مؤثرة لاقت صدى واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، قال فيها:

 

“أنا الآن لا شيء، تفصلني خطوة عن اللاشيء، أو فلنقل قفزة، غريب أمر الموت ما أبخس ثمنه، دينار ونصف الدينار ثمن الحبل، وبعض السجائر، غريب أمر الحقيقة ما أبخسها ثمنها لكننا لا نرى، نملئ أبصارنا وبصائرنا دومًا بالأوهام، حتى تصير الحقيقة تفاصيل لا نراها … نحن لا نرى غير ما نريد رؤيته، لا نرى من الأخضر غير يابسه حتّى تختلط علينا الألوان، ومفاهيمها، شأننا شأن أحبّتي، الذين رغم تواضعي يظنّون أنّني عيسى، فإذا ما صدّقوا ما ادّعوا، اختلط عليهم الأمر، فراحوا لا يفرقون بين القلب والمعصم، وصارت أوتادهم تنهمل على صدري كسهام الوغى..

غريب أمرهم، بل غريب أمركم جميعًا اذ تظنُّون بموتي أنّني أناني، لكنني في الحقيقة أبعد ما يمكن عن الأنانية، دققوا في التفاصيل، لو كنت كما تدّعون لكنت التهمت ما استطعت من أدوية أمي المريضة ورحلت، لكنني أعلم على يقين أنّ عائلتي المسكينة ستنصرف إلى مراسم دفني وقبول التعازي، وسينسون بالتأكيد أن يشتروا لها دواء بدل الذي دفن في معدتي، لكنني لم أفعل، لو كنت بالأنانية التي تدّعون، لكنت رميت بنفسي أمام سيارة على عجل، أو من فوق بناية عالية، لكن، حرصا مني أن لا تتلف أعضائي، التي أوصي بالتبرع بما صلح منها، لم أفعل..

سادتي، أحبّتي، عائلتي المضيّقة والموسّعة، أوصيكم بأنفسكم خيرا، وبأولادكم حبّا.. أحبّوهم لأنفسهم، لا تحبّوهم لتواصل أنفسكم فيهم، اختاروا لهم من الأسماء أعظمها وأرقاها، وكونوا شديدي الحرص في ذلك.. فالمرء سادتي رهين لاسمه، شأني، أمضيت عقودي الثلاثة بين نضال وضلالة وغربة.. علّموا أطفالكم أنّ الحبّ ليس بحرام، وأنّ الفنّ ليس بميوعة، لا تستثمروا من أجلهم، بل استثمروا فيهم، علموهم حب الموسيقى والكتب..

السّاعة الآن الرابعة بعد الظهر، من السابع والعشرون من مارس سبعة عشر وألفين، أفارقكم عن سن تناهز أسبوعان وأربع أشهر واثنان وثلاثون سنة..

أحبكم جميعا دون استثناء، وأخص بالذكر هيرا، تلك العشرينية إيناس، تلك البريئة التي شيطنتها الحياة وحبي.”

 

انتهج نضال مسارا اتخذه غيره من الأدباء والشعراء الذين رسموا نهايتهم، تاركين رسائل خطوها بحبر الألم. فيما خير البعض الآخر مجاراة الحياة بتفاصيلها وآلامها، حالمين بالأفضل للإنسانية جمعاء.

ليو تولستوي: الحياة غير قابلة للتخريب

في أغسطس/آب 1899، كتبت سيدة من سكان كييف، زينايدا ليوبوشينسكايا، التي تعاني من مرض عصبي وصعوبات شخصية، إلى الكاتب الروسي العظيم، ليو تولستوي، متسائلة عما إذا كان لديها الحق في الانتحار.

 

 

وأجابها تولستوي برسالة حول آلام الوجود وضرورة العيش دون استسلام قائلا:

 

“السؤال الذي تسألينها عما إذا كان لديك الحق في الانتحار وإذا كان للإنسان بشكل عام الحق في أن يقتل نفسه، صياغتة خاطئة إذ ليس هناك حق. وعندما نستطيع، يكون لدينا الحق.

وطالما أن هذا الاحتمال موجود، فلا يحق لنا إنهاء حياتنا وتخريبها. إنه أمر لا يطاق، فنحن نقتل بعضنا البعض ولن نجد من يتحدث عن عبء الحياة الذي لا يحتمل.

لدى الإنسان إمكانية لقتل نفسه ولكن السؤال هو ما إذا كانت المسألة معقولة وأخلاقية حيث يتطابق فيها العقل مع الأخلاق.

ولذلك فإن الانتحار فعل لا أخلاقي لأن الإنسان يستقبل الحياة ليعيشها حتى موته الطبيعي بشرط أن يضع نفسه في خدمة الحياة الكونية، لكنه يستفيد من الحياة إلى الحد الذي يناسبه، ويرفض وضع حد لهذه الخدمة بمجرد شعوره بالألم، فمن المحتمل جدًا أن يبدأ في اللحظة التي تظهر فيها الحياة مؤلمة. لأن أي عمل هو مؤلم بالضرورة.

طالما أننا على قيد الحياة، يمكننا تحقيق الكمال لأنفسنا وخدمة الإنسانية. لكن يمكننا أن نخدم البشرية فقط من خلال خدمة أنفسنا وخدمة أنفسنا عن طريق خدمة الإنسانية.

هذا كل ما يمكنني قوله ردا على رسالتك المؤثرة. سامحيني إذا لم أخبرك ما كنت تتوقعينه”.

 

 

قرر المدون التونسي قتل نفسه، وربما لو تمعن في ما كتبه الأديب  الروسي، لوجد أن حياته، التي أفناها، كانت قادرة على خدمة الإنسانية، وبالتالي خدمة نفسه.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.