مدوناتغير مصنف

في زمن اللامعنى ينتحر الشباب مبتسما

 

تعودنا مطالعة أخبار عن حالات انتحار لأشخاص يمرون بحالات نفسية سيئة تضيق أمامهم الآفاق ويفقدون توازنهم النفسي وتركيزهم الذهني وتستوي عندهم الحياة والموت أو ربما يصبح الموت أقرب إليهم وأشهى من الحياة لفقدان مبررات البقاء والرغبة في الوجود…حالات الانتحار كانت تمثل عادة صدمة لدى الناس لقداسة النفس البشرية ولبشاعة القتل وبشاعة الانتحار.

ما الذي يجعل شبابنا اليوم في تونس وفي زمن الحرية وأشواق الثورة يُقدم على الانتحار مُتهيّئا له كفعل إرادي واع يذهب إليه بكامل “الثقة” في النفس والسخرية من الحياة واستحضار صورة الميت ومشهد القبر وفعل الديدان ونهايات الجسد؟

الشاب كريم عليمي من قرية “عليم” التابعة لولاية قفصة هو أحد المدونين زمن بن علي وقد تم إيقافه عدة مرات بسبب منشوراته التي كانت تُغضب النظام ،

كتب لوالديه وأصدقائه وصديقاته رسالة (لا أستطيع نشرها )يوم 12 جوان 2012 قبل أن يضع حدا لحياته بعد أربعة أيام فقط ، لم يكن حزينا ولا غاضبا ولا معاتبا لأحد ولم يسجل شكوى ولم يترك سؤالا إنما كان ساخرا من كل شيء ممازحا صديقاته وأصدقاءه بلغته ومفرداته المتمردة المستخفة.

هذا الاسبوع وتحديدا يوم الثلاثاء 27 مارس 2018 كتب الشاب الشاعر نضال غريبي من بوحجلة ولاية القيروان رسالة مؤثرة ثم قرر مقاطعتنا كما طفل غاضب.

لقد قرر أن يغادرنا مبتسما دون أن يلعن أحدا منا وكأنه أراد أن يُعَذبنا بجمال روحه ونقاوة أحزانه،كان قبل رسالته الأخيرة كتب على جداره الفايسبوكي تدوينة هي سؤال:

 

“ويبقى السؤال الذي يراودني كل ليلة، يغازل إجابة تتوارى خلف النّعاس، هل عشتُ اليوم كما ينبغي كي أستحق اشراقة الغد؟؟”

 

وفي رسالة أخرى مؤثرة وعميقة كتب “حين أموت أحفروا لي عند سفح جبل وواروني التراب عاريا كما ولدتني أمي فليحتضني التراب برطبه ودفئه وبرده وليأكل الدود مني ما شاء ولتتغذى بي حشائش تبثني في الجو ريحا تعطر أنوف المارة من الكادحين….حين أموت أخبروا أمي أن الأحياء أحق مني بتلك الدموع…حين أموت أخبروا أمي أني أنا من سرق المائة مليم كنت صبيا ذو 12 ربيعا وأردت أن أشتري لحبيبتي بطاقة بريدية أخط عليها بأنامل مرتعشة أولى كلماتي في الحب وأني أنكرت لخشيتي من العقاب وعشت وأنا أنكر لخجلي الشديد…حين أموت أخبروا والدي أني شرفت اسمه وأني عشت وأنا أشتهي عناقا منه كلما مر أو خاطبني أو نصحني أن أنام كي لا أُتعِب نفسي حين يلقاني ساهرا عند قيامه للفجر….حين أموت أخبروا إخوتي أني أحبهم أكثر من نفسي وأني لست متوحدا ،كل ما في الأمر أن لا وجود لأرضية مشتركة في التفكير لذا كنت أميل للعزلة غالبا….”


ونحن نقرأ رسائل المودعين نشعر بأننا سيئون…ينتحر بين أيدينا شبابٌ محب للحياة مكابر مصابر عالي الهمة ومسكون بالحب والأمل…يودعنا شباب مثقف متعلم مبدع ومهذب لا يؤذي أحدا ويعتذر لأصدقائه وأهله ومجتمعه.

إننا قُبالة حالاتٍ جديدة من “الموت” حين يتحول “الموت” إلى فعل اختياري واع، فعل “مات” هنا يُنسب إلى “فاعل” لا إلى مفعول به يأتيه الموتُ وإنما يُذهب إليه..

حين يصبح قرارا إراديا واعيا مسبوقا بنص سليم الصياغة ومكتمل “الوصية”.  مطلوب من علماء النفس وعلماء الاجتماع دراسة الظاهرة لا بما هي حالات يأس وضعف ولا بما هي أفعال انتحارية محرمة شرعا وإنما بما هي “مواقف” من المجتمع والدولة والنظام الاجتماعي والسياسي والثقافي وبما هي تعبير عن سؤال “الحياة” وعن غياب “الجوهر” وعن نُضوب المعنى وعن ضمور الحب والشوق والحنين.

الوسوم

اترك رد