سياسة

أزمة الجاسوس الروسي..مواجهة مباشرة بين واشنطن و موسكو

عودة اجواء الحرب الباردة

في أول رد رسمي على الموقف الامريكي من ازمة الجاسوس الروسي، أعلنت وزارة الخارجية الروسية يوم أمس الخميس 29 مارس/آذار عن طرد 60 دبلوماسيا امريكيا ردا بالمثل على إجراء كانت قد اتخذته واشنطن قبل أيام. حسب وكالة الانباء الروسية “سبوتنيك”.

 

وقال وزير الخارجية لافروف إنه و”بناء على مبدأ المعاملة بالمثل، سنرد بإعلان 58 موظفا في السفارة الأمريكية في موسكو واثنين من موظفي القنصلية العامة للولايات المتحدة في يكاترينبورغ” أشخاصا غير مرغوب بهم “لأنشطة تتعارض مع الوضع الدبلوماسي، ويجب عليهم مغادرة البلاد حتى 5 نيسان/ أبريل 2018”.

وأضاف لافروف في مؤتمر صحفي مع المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في موسكو: “نعتزم كذلك إغلاق القنصلية الأمريكية في سان بطرسبورغ”.

 

لافروف مع دي مستورا

 

هذه التدابير جاءت بعد فرض الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة حصارا دبلوماسيا حول روسيا، حيث قامت أكثر من 24 دولة بطرد دبلوماسيين روس من أراضيها بتهم الجوسسة، وتضامنا مع الموقف البريطاني  الذي اجج الأزمة منذ البداية، بعد الهجوم الذي تعرض له جاسوس روسي سابق على الأراضي البريطانية، حيث اتهمت بريطانيا روسيا بالتعدي على سيادتها. هذا السبب المباشر، غير أن العلاقات الروسية البريطانية تشهد توترا مزمنا منذ مدة، تصاعدت حدته في الفترة الاخيرة.

الولايات المتحدة و الحرب الباردة مع روسيا

لا تكاد العلاقات الأمريكية الروسية تهدأ حتى تعاود التوتر من جديد، وهو امر طبيعي باعتبار التنافس العسكري والسياسي، والتاريخ الطويل المشترك من الازمات السياسية والمواجهات العسكرية بين الطرفين.

لكن الاصطفاف الدولي خلف الموقف البريطاني هذه المرة، يوحي بعودة اجواء الحرب الباردة، إذ وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونينو غوتيريش، العلاقات الحالية بين روسيا والولايات المتحدة بأنها قريبة من حالة “الحرب الباردة”.

 

تزايد الهيمنة الروسية في الشرق الاوسط

حسابات ترامب

اتخذت واشنطن موقفا عدائيا مباشرا من روسيا في الازمة الديبلوماسية البريطانية، لكن ابعاد هذا الموقف وأسبابه تتجاوز التحالف الامريكي البريطاني وقضية الجاسوس الروسي التي اتخذت ذريعة لبدإ المواجهة المباشرة مع روسيا، رغم محاولات التهدئة وكبح جماح ترامب التي قام بها موظفون سابقون لديه، وقام لاحقا بالاستغناء عنهم.

يتخوف ترامب من تقدم تحقيقات مولر التي من الممكن ان تقدم الدليل على استعانته بالروس في التلاعب بالرأي العام الامريكي في انتخابات الرئاسة الماضية لصالحه، لذا يسعى إلى حشد حزام إداري حربي في البيت الابيض وفتح جبهات مواجهة مع روسيا محاولة  منه لاسترجاع شعبته التي تدنت في الفترة الاخيرة على خلفية الاتهامات المتواترة له ولصهره بإعطاء موطئ قدم للنفوذ الأجنبي في البيت الأبيض.

يعتمد ترامب على تمش قومي يميني متطرف في نزاعاته السياسية والعسكرية، وكذلك في استمالة ومغازلة الشعب الأمريكي، فروسيا هي عدّو تقليدي للولايات المتحدة، لذا فكل مواجهة مباشرة معها هي  تحشيد للرأي العام الامريكي وتذكير بقوة الولايات المتحدة  وقدرتها على الهيمنة وفرض عقوبات سياسية على كيان دولي قوي كروسيا، وانها ليست في المركز الثاني بل الاول.

 

المحور الغربي الامريكي في الشرق الاوسط

الهيمنة على الشرق الأوسط

تبدو مؤشرات الحرب الباردة الجديدة  بين واشنطن وموسكو واضحة منذ زمن، فتزايد الهيمنة الروسية في الشرق الاوسط والتحالف العسكري والسياسي بينها و بين إيران، جعل واشنطن تستشعر خطر توسع رقعة النفوذ الروسي- الإيراني في المنطقة، مما يهدد مصالحها المشتركة مع اسرائيل، خاصة بعد التدخل الروسي في سوريا بطلب من بشار الاسد. إذ تحلق طائرات روسيا تحلق فوق سماء سوريا وإيران والعراق، فضلا عن قاعدة ميناء طرطوس البحرية فى سوريا، وتنتشر القوات العسكرية الروسية في سوريا على الحدود مع لبنان وتركيا وفلسطين، معاضدة لقوات الأسد.

من جهة أخرى، تحظى إيران الحليف القوي عسكريا  بحماية روسية على الصعيد الدولي، إذ حال الفيتو الروسي من تسليط مزيد من العقوبات على إيران على خلفية برنامجها النووي، وهو ما كبّل أيادي الإدارة الامريكية وجعلها تدفع نحو الخروج من الاتفاق الامريكي- الإيراني النووي لشن حرب على إيران، ووضع حد للمناوشات بين الجبهات العسكرية في المنطقة، والتي تحركها القوى العظمى دون أن تتواجه مباشرة.

تسعى الولايات المتحدة إلى حماية توجهاتها الاحادية في الهيمنة على الشرق الاوسط بأي ثمن، لذا يتواصل التصعيد على عدة جبهات. فمن جهة تعمل الإدارة الأمريكية على الحشد ضد روسيا وإيران في المجتمع الدولي، بدءا بازمة الجاسوس الروسي، ووصولا إلى اتهام روسيا بدعم الإرهاب الإيراني ضد السعودية بواسطة صواريخ الحوثيين البالستية.

من جهة أخرى، تعقد الولايات المتحدة مزيدا من التحالفات بين الدول فيما اصبح يشبه المحور الغربي في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي، تساعدها في ذلك اختيارات ترامب الإدارية لكبار موظفي البيت الابيض، وعلى رأسهم وزير الخارجية مايك بامبيو ومستشار الامن القومي جون بولتون، وهما من أشد الداعمين لخيار المواجهة العسكرية والسياسية المباشرة مع إيران وكوريا الشمالية وروسيا.

ويبقى الشرق الاوسط هو مسرح الصراعات بين مختلف القوى الدولية، إما بطريقة مباشرة بالدفع نحو حرب عالمية ثالثة، أو عن طريق إثارة نزاعات وحروب أهلية وإقليمية تضعف من قوى الدول العربية التي تدور على أرضها رحى المعركة، بينما تصفى الحسابات الدولية على طاولة مجلس الأمن وبقرارات يتم فقط الإعلان عن وجودها دون ان تطبق.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.