مدوناتغير مصنف

معركة سهام بن سدرين أو انتقام “القديمة”

استهداف هيئة الحقيقة والكرامة ليس جديدا بل كان منذ تشكلها وقبل حتى أن تبدأ نشاطها

 

“المعركة” تبدو معركة “هيئة الحقيقة والكرامة” ولكنها في الحقيقة “معركة” سهام بن سدرين، وهي تبدو أيضا معركة قانونية حول الجهة المؤهلة للتمديد وحول قانونية انعقاد الجلسة العامة للبرلمان وحول مدى توفر النصاب القانوني للتصويت، ولكنها في الحقيقة “معركة” سياسية لن تكون آليات حسمها أمام القضاء وإنما في جلسات التفاوض ومبدأ “التوافق” الذي اعتُمد دائما لفض الخلافات السياسية في القضايا الكبرى خاصة.

حركة النهضة هي الأكثر استفادة من بقاء سهام بن سدرين برمزيتها وهيئة الحقيقة والكرامة بمشروعيتها وصلاحياتها ـ لكون النهضة هي  الأكثر تضررا زمن الاستبداد والأكثر ضحايا ـ ولكن أرى أيضا أنها ليست متحمسة بالقدر الكافي في الدفاع عن بقائها وقد تسَلم قريبا بحل يقترحه الرئيس الباجي أو بمشروع جديد يُعدّه النداء بديلا عن سهام وعن تركيبة هيئتها.

سيكون المشروع مراعيا بمقدار لحقوق الضحايا وضامنا لجبر مقدار من الضرر للتخفيف من وقع “الانقلاب” ولعدم إحراج قيادة النهضة وأساسا الاستاذ راشد الغنوشي الذي يواجه بصبر وعناد عواصف داخلية وإقليمية منذ 2013 تحديدا يَخشى أن ينقلب المركب بالجميع، والجميع عنده ليسوا فقط أبناء الحركة وإنما كل التونسيين.

هو يجد حقيقة حرجا أمام قطاع واسع من الضحايا رغم وجود من يرى منهم أن الهيئة لم تحقق لهم مطالبهم بعد كل هذه السنوات، ولعلهم سيجدون حلا أوفق في مشروع أبسط أجراءات وأسرع تطبيقا.

رموز النهضة لم تكن تدخلاتهم دفاعا مستميتا عن الهيئة ورئيستها، بل كانت تذكيرا بالعذابات زمن الاستبداد، وهي مواقف أشبه بمن كان يستحلب ناقة في الرمل أي خارج وعاء “الهيئة” ومشروعيتها. بل سمعنا وقرأنا ما نفهم منه عدم التمسك بالرئيسة أي أن سهام على “طاولة” التفاوض وقد جاء في النقطة الثالثة من بيان المكتب التنفيذي البارحة:

“3- اعتبار العدالة الانتقالية استحقاقًا وطنيًّا متعدّد المسارات يجب توفير شروط استكماله وإنجاحه، بقطع النظر عن من يدير هذا الملف”.

وهو أمر أعتقد أنه يشي بتراجع عن مواقع تبدو هي الأخيرة في خطوط “الكفاح” المدني والقانوني والدستوري ضد هجمة “القديمة” كما يقول الصديق بوعجيلة… ممثلو “القديمة” رأيناهم وسمعناهم يتكلمون باستعلاء ما كان ليكون لولا أنهم تشمموا روائح “المطبخ” الذي يفتح عليهم نوافذه… وليد جلاد تكلم بوضوح عن “توافق” حصل على تغيير سهام بن سدرين، كما تكلم أكثر من مسؤول ندائي بثقة كاملة عن رحيلها.. وكان قبل جلسة السبت للبرلمان كتب برهان بسيس المسؤول السياسي في النداء تدوينة قصيرة جاء فيها “بالديمقراطية…سترحل”.

 

قرأنا ما نفهم منه عدم التمسك بالرئيسة أي أن سهام على “طاولة” التفاوض وقد جاء في النقطة الثالثة من بيان المكتب التنفيذي البارحة: “3- اعتبار العدالة الانتقالية استحقاقًا وطنيًّا متعدّد المسارات يجب توفير شروط استكماله وإنجاحه، بقطع النظر عن من يدير هذا الملف”.

 

استهداف هيئة الحقيقة والكرامة ليس جديدا بل كان منذ تشكلها وقبل حتى أن تبدأ نشاطها، ربما لأنهم يعرفون من هي سهام بن سدرين وربما كانوا يخشون جرأتها على فتح ملفات “الكبار” وربما كانوا يخشون من “فتنة” تثيرها تلك الملفات وقد استشهد نائب ندائي بموقف السيد علي لعريض وهو وزير داخلية يومها حين قال إن كشف أسرار في الداخلية سيتسبب في خراب عائلات ومشاكل كبيرة.

الذين سربوا مراسلة زهير مخلوف للبرلمان في صائفة 2015 لم يكونوا ينتصرون للمناضلة سهام بن سدرين ولم يكونوا أيضا  ينتقمون من المناضل زهير مخلوف إنما كانوا يومها يذبحون الهيئة كلها ويُشغِّلون الصاعق لتفجيرها من الداخل عن طريق العاملين فيها ثم ردمها من الخارج عن طريق العاملين عليها.

الرسالة كانت تدعو إلى فتح تحقيق في تجاوزات رئيسة الهيئة و”استقوائها بالفرنسيين” وتبذيرها للمال العام.

خصوم سهام بن سدرين اليوم يشنون عليها هجمة لكونها “شككت” في وثيقة الاستقلال ولكونها كشفت عن عقود مع فرنسا تؤكد عدم سيادة التونسيين على ثرواتهم، خصومهم أولئك من البورقيبيين تحديدا لا يمكن أن يتسامحوا معها وهم يستمدون “مشروعيتهم” من “البورقيبية” برمزية بورقيبة رحمه الله وحضوره في الوجدان العام لكثير من التونسيين.

ولعلهم أيضا لم ينسوا أنها كتبت يوم 10 ديسمبر 2009 مقالا بالفرنسية خاطبت فيه الرئيس السابق بن علي بقولها:”سيادة “الرئيس، ارحل!” وهي أول من رفع في ذاك المقال (degage).

النهضة التي ليس لها سند قوي في منظمات أصيلة وكبيرة كاتحاد الشغل ونقابة الصحفيين ورابطة حقوق الانسان واتحاد المراة واتحاد الكتاب ليس لها لحد الآن إلا هيئة الحقيقة والكرامة تحافظ على معاني “الثورة” وعناوين العدالة وجبر الضرر ومحاسبة الجلادين وفتح الملفات ووو…

حركة النهضة تتوسّدُ جبلا من الرصيد النضالي وتقف على باب مَنْجَمٍ من الأوجاع والعذابات والمرارة فليس لها أن تصْرف “ثروتها” تلك بغير “ثمن” سياسي وبغير أوسمة اعتبارية لنسائها ورجالها فلا يليق أن يصرخ بوجوههم “أولاد القديمة” يقدمون أنفسهم “مناضلين”.

إذا استطاع الباجي/ النداء تجريد النهضة من آخر أدواتها الكفاحية فسيكون قد دخل بها “جحر الضبع” ليتفرغ إلى “تفصيل” الانتخابات البلدية ثم البرلمانية والرئاسية وقد تخلينا عن الحبر الأزرق تسهيلا لعملية الإخراج الفني لتفصيل النتائج قبل الذهاب إلى الصناديق.

مصارحة الناس ضرورية حتى يكونوا على بينة من أمرهم فيستعدون بإرادتهم واختيارهم ووعيهم لمستقبل يتعاملون معه وفيه بواقعية ومعقولية إذ ليس أخطر على المجتمعات من خطاب “الوهم” لا تترتب عنه إلا خيبات وصدمات وفقدان ثقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.