الرئيسيثقافة

مكسيم غوركي: أب الواقعية الاشتراكية

في ذكرى ميلاده

 

في تجاوز للبعد الواقعي الرومانسي الذي طغى على الكتابات الأدبية في العالم، وضع الأديب الروسي “مكسيم غوركي”، مصطلح الواقعية الاشتراكية، على الأدب الروائي الكفاحي الذي أسسه.

وقد دفع السياق العام غوركي للتوجه نحو هذه المدرسة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبروز الفكر الماركسي وتطوره في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية وغياب العدالة الاجتماعية وصراع الطبقات، الذي ساهم بدوره في ظهور المدرسة النقدية وكان غوركي أحد روادها وأشبه بـ”المثقف العضوي” الذي” لم يكتف بمراقبة الوقائع بل حاول أن يكون فاعلا فيها، معبرا عنها”، وفق ما ذكره المنجي عمر في كتابه “الفضاء في رواية الثورة”.

 

غوركي أديب الإنسانية

ولد الكاتب مكسيم غوركي (ألكسي ماكسيموفيتش بيشكوف)، في 28 مارس/آذار 1868 وعمل في العديد من الوظائف خلال طفولته الفقيرة والمسيئة.

أيد البلاشفة، قبل أن يصبح ناقدا عندما استولى فلاديمير لينين على السلطة، وهذا لم يثنه عن البقاء كمدافع سوفياتي، كما قاد اتحاد الكتاب السوفييت وتوفي في موسكو يوم 18 يونيو 1936.

 

 

عاش أديب الروسي حياة صعبة بعد وفاة والده بعد إصابته بالكوليرا عندما كان في عمر ال5 سنوات. وسرعان ما تزوجت والدته وتركته للعيش مع جده الذي كان صارمًا جدا. ولكن جدته ساعدته وشاركته معرفتها بالحكايات الشعبية.

عمل غوركي كأجير في مخزن أحذية وانتقل للعمل كغسال صحون على متن باخرة، تعرف فيها على طباخ يحمل معه صندوق كتب، فكانت البداية التي لا نهاية لها بالنسبة للأديب الروسي.

رأى أنها أعجب مكتبة عرفها في العالم من خلالها ما زرعته من طمأنينة في قلبه، فقال “جعلتني أثق بنفسي وعرفت أني لست الوحيد على هذه الأرض وأني لن أضيع”.

 

 

مثلت حياته منعرجات حادة وصعبة أثرت في نفسيته فحاول الانتحار خلال سنوات المجاعة الكبرى في روسيا، التي قضاها مع المتشردين في الشوارع ولكنه نجا.

وبعد رفض قبوله للدراسة في الجامعة، كتب قصته الأولى “ماكار نشودار” ولم يجرؤ على التوقيع باسمه، فوقّع باسم مستعار وهو غوركي أي “المرّ”.

 

 

واستمر معه هذا الاسم طيلة مسيرته الإبداعية التي تنقل فيها من المدرسة الرومنسية إلى الرومنسية الثورية وصولا إلى الواقعية فالواقعية الاشتراكية.

 

 

وتعد روايته “الأم”، أبرز أعماله وأشهرها التي ظهرت في سياق اشتد فيه الصراع الطبقي في روسيا القيصرية وصعود البروليتاريا. وقال عنها لينين إنها “جاءت في الوقت المناسب”.

كما ارتبط غوركي، ارتباطا عميقا بالكتاب الروس على غرار، أنطون تشيخوف، وليو تولستوي، وكتب فيما بعد مذكراتهم.

 

غوركي مع ستالين

 

ولم يكن غوركي شاعرا وأديبا وكاتبا مسرحيا عظيمًا فحسب، بل كان أيضًا شخصية مؤثرة في التفكير السياسي خاصة بعد صعود ستالين للحكم، الذي أصبح صديقا مقربا له ووسيلة للدعاية لنظامه، ليؤسس لواقعيته الاشتراكية.

أثر الواقعية الاشتراكية في الأدب

غرف خالد يوسف في كتابه “قصة الأدب العربي”، الواقعية الاشتراكية بأنها حصيلة النظرة الماركسية للفن والأدب، كما أنها حصيلة التجربة الأدبية المعاصرة لكتاب البلدان الاشتراكية وفي مقدمتها الاتحاد السوفياتي”.

 

العائلة، لوحة لفيكتور إيفانوف (1967)

 

وهي وفق “سوتشكوف”، التطور المنطقي للواقعية النقدية بالإبقاء على الجانب النقدي واستبعاد النظرة التشاؤمية.

واتسقت هذه الواقعية برسالة اجتماعية ونزعة إنسانية، آمنت بقدرة الانسان غير المحدودة في مجابهة القضايا واستشراف المستقبل من الحاضر الموجود.

 

البناؤون، لوحة لفيكتور بوبكوف (1960)

 

كما لا يسمح هذا المذهب للكاتب بالهروب من الواقع مثل ما هو قائم في المدرسة الرومانسية.

شغل هذا التوجه حيزا هاما في النتاج الأدبي في العالم، رغم ما وجه له من انتقادات باعتباره يلغي فردية الإنسان وذاتيته، ويلزم الكاتب على التعبير على مصالح الطبقة الكادحة حيث أن كل فن لا يعبر عن هذا التوجه هو بالضرورة منحط وسطحي.

 

تأثير الواقعية الاشتراكية في الأدب العربي

يرى الناقد “محمد دكروب” في علاقة غوركي بالأدب العربي، أن الأديب الروسي “قريب من كل عربي، حيث يفرض علينا دائما ويذكر الإنسان العربي، أن هذا الرجل نبع من واقعنا العربي، من وسط الملايين التي تكدح في الأراضي العربية لتحولها إلى جنة للإنسان، تقدم السلام والسعادة للعالم أجمع”.

وتقوم رؤية “دكروب” على أن الواقعية الاشتراكية نتاج أدبي نقدي للأدباء المتأثرين بالتوجه الماركسي، باعتبارها تتعدى كونها أسلوبا فنيا إلى اتخاذ موقف وهي بذلك حركة احتجاجية على الواقع ومنها الواقع العربي.

 

 

ويذهب العديد من النقاد إلى أن عبد الرحمان منيف، من أبرز الكتاب العرب الذين تأثروا بغوركي، ورسالة المثقف تجاه شعبه.

كما يعد من أكثر الروائيين العرب المتأثرين بالرواية العالمية التي نزّل أهم منجزاتها في الرواية العربية خاصة منها الروسية التي تقوم على أن “الأدب أداة أساسية لتحقيق الثورة”.

وبين النقاد أن هناك تشابها حتى في صورة الشخصيات بين روايات منيف وغوركي، حيث بين “المنحي عمر” أن ذلك انعكس بشكل واضح على ملامح شخصية “الأم” النموذجية في رواية “شرق المتوسط” (أم رجب)، والمستلهمة من رواية “الأم” المحملة بالمعاني والرموز لغوركي.

وتبدو الحاجة العربية لأدب غوركي فيما قاله الكاتب عبد الرّحمان الخميسي: ” إننا في حاجة إلى أدب مكسيم غوركي ذلك الأدب الذي يفضح أمام أنظار العالم بشاعة انحلال الاستعمار، وفي نفس الوقت يعلم الشعوب كيف يمكن أن تحطم هذه الأغلال”..

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.