مدوناتغير مصنف

تركيا الأردوغانية والتحولات الإستراتيجية

هل تتجه تركيا الى التحرر من عباءة التوجهات الأتاتوركية التي هيمنت عليها طويلا وتبدأ مرحلة جديدة من تاريخها؟

 

منذ مجيء حزب العدالة والتنمية الى الحكم تغيرت سياسات تركيا الخارجية وخاصة المتعلقة بمحيطها الإقليمي بشكل واضح. فهذه الدولة الكبرى التي ظلت لعقود تتحرك ضمن الغطاء الغربي وتتصرف في مجال محدد من خلال تحالفاتها الغربية وعضويتها في الحلف الأطلسي استعادت في المرحلة الأخيرة حضورها الإقليمي والدولي بشكل واضح ومؤثر. فلم تعد سياساتها الخارجية إزاء دول الجوار تقوم على مجرد الحذر السياسي والعسكري ومنع محاولات المس بأمنها من القوى الانفصالية وإنما تحولت الى صاحبة قرار يرسم الخيارات ويحدد التوجهات ويفرض أشكال من التحالفات والعلاقات لم تكن واردة على ذهن السياسي التركي قبل وصول أردوغان الى مركز الحكم.

وقد كانت ملامح هذا التوجه قد بدأت في التشكل منذ سنة 2003 عندما رفض البرلمان التركي استخدام أراضي دولته لتكون منطلقا للجيش الأمريكي في غزوه للعراق ورغم أن حزب العدالة والتنمية حينها لازال وافدا جديدا للسلطة ولم يكن يملك خيارات واسعة في علاقاته الدولية على النحو الذي نراه اليوم.

فتوجهات الدولة التركية في صورتها الحالية أصبحت تتجاوز وبمراحل خياراتها في العقود الماضية، في موقفها من القضية الفلسطينية حيث كانت تركيا حليفا وثيقا من قبل للكيان الصهيوني ومن الدول الإسلامية القليلة ذات العلاقة الدبلوماسية المبكرة معها حيث اعترفت تركيا بها سنة 1949 وانطلق التمثيل الدبلوماسي بينهما بداية من سنة 1950.

ورغم أن الجهاز السياسي الحاكم اليوم في تركيا لم يقطع هذه العلاقات إلا أنه في المقابل اتخذ خطوات واسعة للاقتراب من الطرف الفلسطيني فلا احد كان بوسعه التصديق في العقود الماضية أن تحتضن تركيا رموزا للمقاومة الفلسطينية وتمنحهم فرصة زيارتها ولقاء مسؤوليها الكبار ولا احد كان يتخيل أن تكون تركيا منطلقا لسفن رفع الحصار عن غزة في وقت تراجعت فيه دول عربية كبرى عن واجبها إزاء الأرض المحتلة، بل وأصبح وزير خارجية دولة مثل السعودية يصف حركة المقاومة الفلسطينية حماس بكونها تنظيما إرهابيا.

 

تركيا بوصفها وريثا للدولة العثمانية لم تعد تقنع بدور التابع أو القوة الإقليمية التي تخدم مصالح غيرها من القوى الكبرى وإنما هي بصدد التحول الى قوة عظمى لها مصالحها ونفوذها وامتداداتها وخياراتها

 

وقد تجلى تغير الموقف التركي من القضية الفلسطينية في تنظيمها لقمة القدس (2017) التي أثارت حنق الكيان الصهيوني واستياء دول عربية مثل السعودية ومصر والإمارات التي أصبحت جزء من المحور الأمريكي الصهيوني المنزعج من التوجهات التركية التي يقودها رجب طيب أردوغان منذ سنوات.

وخارج القضية الفلسطينية كانت مواقف تركيا من ثورات الربيع العربي واحتضانها للاجئين السوريين ورفضها الاعتراف بشرعية الانقلاب العسكري المصري خطوة غير متوقعة من دولة ظلت لعقود تكتفي بتعامل متحفظ مع الأنظمة القائمة بالمنطقة العربية.

وفي ذات السياق، اتخذت تركيا الحالية خطوات فعلية لمراجعة علاقاتها الغربية وتحجيم النفوذ الأمريكي الذي كان مهيمنا على القرار التركي وهو أمر تجلى في مواقف كثيرة أهمها خطوات التقارب التركي الروسي وسعي العسكرية الروسية الى تنويع مصادر أسلحتها من خلال الحصول على منظومة صواريخ اس 400 الروسية والتشاور الدائم التركي الروسي فيما يتعلق بالوضع السوري وانتهاء بالحملة العسكرية التركية ضد الجيوب الكردية المدعومة أمريكيا وهو ما يعني صداما خفيا بين الطرفين في ظل تناقض المصالح.

فتركيا التي تمكنت من تحقيق نجاحات اقتصادية معتبرة وحققت لنفسها نفوذا واضحا في مناطق آسيا (مجلس تعاون الدول الناطقة بالتركية والتي تُعرف أيضا بالمجلس التركي) وبنت تفاهمات واسعة مع الصين وتقاطعات في المصالح مع روسيا ومحاولات للامتداد الاقتصادي والسياسي بدول إفريقيا، أصبحت أكثر تحررا وقدرة على ضبط سياساتها خارج الدائرة الغربية (سواء في علاقة بالاتحاد الأروبي أو حلف شمال الأطلسي) بل ولم تعد متلهفة على الانضمام للاتحاد الأروبي وإنما أصبحت تعرض وجودها بوصفها قوة فاعلة وشريكا مُساويا للدول الغربية الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا.

إن كل هذه التحولات الكبرى في السياسة الخارجية التركية مرتبطة أساسا بتوجهات إستراتيجية ضبطها حزب العدالة والتنمية في إدارته للحكم. فتركيا بوصفها وريثا للدولة العثمانية لم تعد تقنع بدور التابع أو القوة الإقليمية التي تخدم مصالح غيرها من القوى الكبرى وإنما هي بصدد التحول الى قوة عظمى لها مصالحها ونفوذها وامتداداتها وخياراتها وما تدخل تركيا في الأزمة الخليجية وعقدها اتفاقيات عسكرية مع دولة قطر ودولة الكويت إلا علامة على نمط التحولات الإستراتيجية التي تعرفها السياسات التركية في ظل نظامها الحالي.

ويمكن القول دون مبالغة إن فشل المحاولة الانقلابية الأخيرة والتي جاءت في سياق محاولة ضبط إيقاع تركيا المتسارع وإعادتها لمربع الطاعة الغربي قد جعلها تتحرر أخيرا من كل الضغوطات ومن جزء كبير من الإكراهات فلا احد كان يتصور سماع تصريحات تركية ترد بقوة على الحليف الأمريكي بل وتفرض املاءاتها عليه في علاقة بالوضع السوري، فهذه التحولات بمجملها قد غيرت بالفعل من طبيعة التحالفات والتقاطعات على المستوى الإقليمي والدولي بالنسبة لتركيا الأردوغانية.

وهي ما تشكل مجتمعة دليلا على تشكل تركيا الجديدة التي تسعى الى التحرر من عباءة التوجهات الأتاتوركية التي هيمنت عليها طويلا ولتبدأ مرحلة جديدة من تاريخها.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.