مدونات

اتربينا و بقينا زي الفل!

تربية

 

هل فكرت يوما في الطريقة التي تربيت بها؟ هل جلست تتأملها أو تحاول تفنيدها ودراسة آثاراها عليك الآن في كبرك؟

إن لم تجد إجابة على هذا السؤال أو لم ترغب في الإجابة، دعنا نتجاوز السؤال.

طفل في الرابعة أو الخامسة على أقصى تقدير ارسلته المدرسة بخطابات انذار لشجاره مع زملاؤه، وقف الطفل أمام الأم التي استعانت بكاميرا لتسجل ما تفعله، وضعت في فمه الشطة الحارة ثم حممته بالماء البارد عقابا له على تجاوزه المريع البشع في المدرسة.

انتشر التسجيل وتباينت الآراء، المشكلة ليست هنا، إنما في البعض الذي مازال يرى في العنف الجسدي وعقاب الأبناء باليد وسيلة تربوية يدعي أنها ناجحة، وأن هذه الأم لقنت طفلها درسا لن ينساه أبدا، وأن “شقاوته دي عمرها ما هتتكرر”..

لندعنا من مسألة الحجر على طفل يتصرف بطبيعة الأطفال، وهي أصلا فطرته التي نريد له ان ينكسها من أجل رضانا عنه..

و نتوجه لتلك الفكرة الجهنمية في أن الكسر والإذلال واستعمال اليد واللسان والحجر و غيرها بأنها هي التربية وأننا نشأنا على هذا و “اتربينا وبقينا زي الفل”، وهذه هي العبارة الأكثر ترديدا من قبل المؤيدين لتلك الأساليب.

إذن لدي سؤال آخر: كيف حكمت على نفسك بأنك تربيت وأصبحت كما الفل؟

هل تقصد بالتربية انك أصبحت من ممسوحي الشخصية صاحب السمع والطاعة بلا نقاش لتنال رضا الأهل والاقربون وتصبح فلانا الأكثر أدبا وأقل جدالا؟

 

كيف حكمت على نفسك بأنك تربيت وأصبحت كما الفل؟

 

أم أن التربية تلك تقصد بها أنك لا تسعى للتجربة، وما يمليه عليك الأهل هو عين الصواب ولا داعي إذن للمخاطرة؟

أم أن التربية أنك استمعت لهم في إملاءاتهم بأن كلام الناس غاية لابد أن تدركها وإلا “ياكلو وشنا” حتى لو اقتضى الأمر أن تخالف عقلك؟

أم أن التربية في إحساسك الدائم بالانكسار لمن هم أعلى منك سواء الوالدين، مديرك في العمل، وهكذا؟

ما فعلته الأم سابق ذكرها هي انها كسرت ابنها بلا جبر، يطل سؤال: وهل ينكسر طفل في الخامسة؟

نعم، لا ينكسر سوى من في الخامسة..

لو أن هذا الطفل أكبر قليلا ربما استطاع تجاوز الموقف ومعالجته، إنما أن تأتي لذلك العود الأخضر اللين حديث العهد بالحياة لتهوي عليه ببلطة هذه الأفعال، فإنك لا تعطيه فرصته الفطرية في النمو.

في السنوات الماضية، لم تكن فكرة التربية منتشرة كما هي الآن، والكثير من ممارسات التربية التي مورست على جيلنا والأجيال السابقة خاطئة لا علاقة لها بإصلاح النفس أو تهذيب السلوك، غرضها الوحيد -ربما- هو زرع الرعب في نفس المتربي من فعل بعينه كي لا يكرره، دون وجود أصلا لثقافة الحوار أو مراعاة خصوصية كل طفل ومراعاة مشاعره او التعامل معه بصفته فردا بشخصية و كينونة كاملة ولد بها وسيحيا بها.

الأمر الأفجع الذي قامت به هذه الأم، أنها نشرت هذا الأمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا أعرف هل تتباهى بعقابها من أجل إثبات سيطرتها على الأمور أم ترغب في تشجيع على هذا الأسلوب ليستمر وينتقل لآخرين يعاملون أبنائهم بنفس السادية؟

مسألة عقاب الطفل ليست للنشر ولا للحديث عنها ولا للتباهي بها، هل نربي أطفالنا من أجل الآخرين؟
أم نربيهم من أجلنا ؟

أم ربيهم من أجل أنفسهم؟

عزز تلك الأسئلة في ذهني ،  نشر أم كندية لصور أطفالها اللذين عاقبتهم بالسير 7 كم للمدرسة يحملون لافتة مفادها أنهم اساؤوا التصرف مع سائق الحافلة لذا يقطعون المسافة سيرا .

انا أتحدث عن نموذجين في الشق المتحضر من العالم ، ولم أتعرض لحالة واحدة من العالم العربي لأن ما يحدث فعليا ليس فقط منافي لمبادئ التربية ، و إنما منافي لمبادئ الإنسانية عموما ، العديد من الآباء والأمهات لا يصلحون أصلا لرعاية هرة فمابالكم بطفل ؟

للأس ، رغم ارتفاع المستوى الثقافي للعديد من الآباء والأمهات إلا أن نظرة الملكية للأبناء لم تتغير، ومازال الكثيرون يدعون قدرتهم على التربية في حين أنهم لا يدركون أنهم فشلوا فشلا ذريعا فيها بسبب موروثاتهم السيئة أو بسبب قصور في أنفسهم لا يعلمونه.

وفاء هلال

مدونة مصرية وباحثة في التاريخ الفلسطيني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.