مدونات

ما تبقّى من دمشق

مدونات

 

في كل مرة أغمض فيها عينيّ, وأنصت لأسمع وقع أقدام الفتاتين الصغيرتين على بلاط الزقاق الواصل بين بيتي وحديقة البيت المجاور, تأخذني ذاكرتي إلى عصر أحد الأيام في آذار.. حين فاجأنا أبي, أنا وأختي في الليلة السابقة بأنه سيأخذنا إلى “الشام” بمناسبة ذكرى ميلادنا.. لم نستطع أن نصدق, ولا أذكر أننا تذوقنا طعم النوم ليلتها.. أذكر جيداً كم شعر إخوتي بالغيرة وطالبوا أبي بأن  يشاركونا الرحلة, ولكنه أصر: لا, هذه هديتهما هذا العام.

استيقظنا فجر اليوم التالي وحزمنا حقيبتين صغيرتين على عجل, قبلنا أمي وغادرنا المنزل في سيارة المرسيدس الرمادية, أخذنا خال أبي من مصنعه وانطلقنا في الرحلة, وصلنا الشام بعد الظهيرة بقليل ووضعنا الحقائب في الشقة الصغيرة المستأجرة, ثم انطلقنا نجول الشوارع.

كيف أصف انبهارنا بأصغر التفاصيل؟

ذاكرتي, شديدة الانتقائية, لا تسعفني لأتذكر اسم السيدة التي سكنت بجوارنا خمسة عشر عاماً, ولكنها تجد مكاناً لعبق ياسمين البيوت التي مررنا بها آنذاك, تتسلل الرائحة لتغمرني وأتخيل نفسي أدوس أرض الزقاق الواصل بين الشقة التي استأجرناها والمطل الواقع خلف المطعم الذي اهتدينا إليه مصادفة, ولم ندخله يومها, بل عدنا إليه بعد سبع سنين, مصادفة أيضاً!

شروق الشمس من شرفة الشقة, تفاصيل البيوت الشامية القديمة, الزخارف المعمارية في كل مكان, فساتين الفتيات الصغيرات, الهدايا التي اشتريناها, والفتاة ذات الشعر الأسود والعينين الخضراوتين التي ناولتني نقودي التي سقطت دون أن أنتبه – لا أستطيع أن أنساها.

بعد الغداء في الميدان من مطعم بوز الجدي, ذهبنا إلى سوق الحميدية لنشتري من بوظة بكداش – “ألذ بوظة ستتذوقونها في حياتكم” قال أبي, وكانت كذلك.

منذ دخلنا السوق, لم أستطع أن أتوقف عن الابتسام, كان كل شيء جميلاً جداً, الباعة وبضائعهم, ترتيب المحلات, كل شيء بمتناول يدك, بدا سوق الحميدية قادماً من إحدى كتب الأساطير لفتاة أنهت المرحلة الابتدائية مؤخراً.

أخذنا المزيد من البوظة, وجلسنا في حديقة عامة, لا أذكر أين, ولا أذكر عم كان الحديث, ولكننا كنا نضحك.

عدنا إلى الشام مرات بعد تلك الرحلة الأولى وصار لدينا الكثير من الأصدقاء, أبو عبدو, صاحب مصانع النسيج, وعائلته, العائلة التي قدمت أصلاً من ريف حلب, واستقرت في الشام منذ اثني عشر عاماً, الفتاة الشقراء وعائلتها “الشوام الأصليون” البسيطون جداً, صديقُ لأبي لا أذكر اسمه, ولكن أولاده كانوا خياطين محترفين على صغرهم, أختان توأمان وشاب خجول يعمل نادلاً في مطعم, السيدة القادمة من بصرى الشام, وتسكن عند الحجر الأسود وأم سلوى, من مخيم اليرموك وأولادها التسعة.

جاء آذارٌ آخر بعد عشر سنوات, وحين سألنا الدمشقيين عما يحدث في سوريا, كانوا يقولون “لا شيء, ما في شي بالشام, الحياة طبيعية تماماً, كل اللي عم بيصير برات الشام”.

بدأت رحلتي في العمل الإغاثي في العام اللاحق, والتقيت العديد من السوريين من كل المدن والمحافظات. لا بد أنني سمعت آلاف القصص.. شعرت بارتبط عميق مع الثورة السورية منذ البداية, وأذكر أنني قلت لأحدهم يوماً, لم تكن صدفةً انني ولدت في الثامن عشر من آذار.

صديقتي الحورانية, التي لم تر دمشق قط, كانت تقول إنني أشبه الشاميات, جدتها قالت لها ذلك, “البنت فيها عرق سوري”. كان لها سبع أخوال في درعا البلد, نجى منهم ثلاثة فقط, قدموا إلى المفرق لاجئين.

في العام التالي, جاء أبو عبدو إلى عمان وحيداً, ماتت زوجته وبناته في القصف ورحلت والدته في إحدى مجازر دوما التي رفضت أن تغادرها معه. ما زال يرسل إلينا هداياه الصغيرة كل شهر أو شهرين – مرطبان من المربى أو المخلل, شرشف طرزه بيديه أو بعض حبات من الكبة.

اعتقل الشاب الخجول بلا سبب, كان يغسل الصحون في المطعم في إحدى الليالي ثم اختفى. لا أحد يعرف عنه شيئاً إلى الآن. لا أعرف شيئاً عن صديق أبي وعائلته كذلك. سمعت همساً أن الرجل مات بنوبة قلبية بعد أن خسر عمله وبعضاً من أفراد عائلته, وأن زوجته تفترش شوارع دمشق تسأل الناس المساعدة. رأيت شاباً في مخيم الزعتري في بداية إنشائه يشبه ابنه الأكبر “غدي”, كان يسير ويتغنى ووراءه يردد بعض الأطفال “يا الله ما إلنا غيرك يا الله” و “يلعن روحك ي حافظ”.

السيدة التي كانت تسكن عند الحجر الأسود, التقيتها عند مستشفى قصر شبيب في الزرقاء, لم تعرفني, ولم أرد أن أذكرها بنفسي. سافرت في عام 2015 إلى النرويج مع زوجها وأطفالها لأن ابنتها مصابةُ بمرض نادر في الدم ويريد الأطباء هناك أن يعالجوها.

أم سلوى وأطفالها يسكنون في منطقة صويلح, في عمان.. لا يملكون شيئاً, منهكون من الكتائب والحرب واللجوء. اختطفوا زوجها ولا تعرف عنه شيئاً – “مات, أنا هيك قلبي بيقلي”. تنظف البيوت لتوفر بعض الطعام لأطفالها. تعطيها الأونروا 70 ديناراً كل شهرين. تقول: “ماذا أفعل بهم؟ أصغر أبنائي لم يتم العام بعد, يحتاج وحده هذا المبلغ كل شهر”.

العائلة الحلبية, عادت إلى حلب, كانوا يصنعون اللافتات للمظاهرات, ثم مات منهم من مات وتشرد الباقي, اثنان في تركيا, اثنان في مخيم الأزرق, واحد في ألمانيا, واحد في كندا وواحد في عمان.

الفتاة الشقراء تزوجت شاباً أردنياً وسكنوا في السلط. ما زال أهلها في دمشق ويقولون: “ما في شي بالشام, الأمور هادية وطبيعية”.

الأختان التوأمان, توفي أبواهما وأخوهما الصغير في القصف قبل عام أو عامين. يقال إن إحديهما لجأت إلى النمسا, عبرت البحر مع ابن خالتها فيما بقيت الأخرى مع خالتها في الغوطة الشرقية. سيكون عمرها اليوم 28 عاماً إن كانت حية. لا أعرف إن كانت تختبئ في أحد الأقبية أو قتلت في إحدى الغارات الجوية, أو غادرت الغوطة.

حلمت بها ليلة أمس, كانت ترتدي رداءً أبيض اللون, يشبه ما ترتديه آلهة الإغريق في أفلام هوليوود – “اشتقت لأمي وللشام” قالت.

الوسوم

آلاء عرفات

مدونة أردنية وعاملة في مجال حماية الطفل بالأردن

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.