مدوناتالرئيسيغير مصنف

انتخابات الرئاسة المصرية: بين قمع الدكتاتورية والعبثية الهزلية

أنت مدعوٌّ لمتابعة هذا الفصل البائس من تلك المسرحية العبثية الهزلية!

This post has already been read 16 times!

لعله حقًا من أصعب الأشياء على الكاتب أن يُضطر لإمساك قلمه ليكتب عن موقفٍ هزليّ، أو يصوِّر مشهدًا عبثيًّا، والأصعب من ذلك والأنكى، بل والأكثر قهرا، أن تحاول تحليله!!!
هذا تماما ما أنا بصدد الكتابة فيه. فإن كنتَ عزيزى القارئ من ذوي البال الطويل فأكمل هذا المقال، وإلا فعنوانه قد يكفيك لتفهم محتواه، ولا تتكبد عناء القراءة للعبث والهزلية التي تَكبَّل بهما واقعنا المصري الأليم، أو كبَّلَ وطننا بهما القمع والدكتاتورية الغاشمة.

هل أبدأ هذا المشهد بالانقلاب على المسار الديمقراطى والذي أطاح بأول تجربةٍ ديمقراطيةٍ مصرية، بعد ثورةٍ مجيدةٍ استشعر النظام البائد أنه معها أوشك أن يخسر كلَّ شيءٍ من المكتسبات المغتصبة لمقدَّرات ذلك الوطن الطيب على مدار ستين عامًا وليس ثلاثين؟ ولم تبق بيده ورقة ليلعب بها لعبة الشيطان، أو ليُطلق كلاب حراسته ورماحه المسمومة بظهور الأحرار المتطلِّعين لحقهم فى الكرامة الإنسانية من أبناء هذا الوطن، وقد فعل ونجح في اختيار التوقيت، وارتفاع نبرة يئس الكثير من المصريين من إمكانية اكتمال تجربتنا اليتيمة في سعينا لانتزاع الحرية المسلوبة منا جميعا، ونجح كذلك في خداع البعض ممن غابت عنه الخبرة السياسية ليدرك ألاعيب السياسة الماكرة التي توهمك في الظاهر بغبائها بل وسطحية القائمين على إدارتها، لكنها على الحقيقة تُدار بعقلٍ ماكرٍ خبيثٍ يملك أدوات وخبرة عقود، قادرٍ وبخسة الضباع وفحيح الأفاعي على تحريك كلِّ معاولِ الهدم الخسيس.

المثير للدهشة أن كل ذلك قد افتضح الآن، أو بالأحرى لم يعد أصحابه في حاجةٍ لعناء المكر بعد أن أحكمت يد البطش قبضتها، وسَلَّطَت سيفَ الظلم على رقاب كل من يعارضها.

إذن فالمشهد أضحى مشهدا مغلقا، أبطاله جميعا كشفوا عن أقنعتهم بسفور وقُبح، وكلهم في صف مُمثِّلٍ فاشل، لكنه يملك عقل الفرعون في غبائه حين قال: “أليس لي ملك مصر”، وجرأة النمرود في استعلائه حين قال: “أنا أحيي وأميت”، وكل من حوله فاسدين نفعيين أصحاب مصالح لا يهمهم إلا أنفسهم الخبيثة ولا يعنيهم من الأوطان إلا ما يستطيعون أن ينهبوا منها.

هنا القاهرة من أمام صناديق اللقطة غير الجدية، هنا جماهيرُ اختبرت بالأمس القريب لحظة حرية، وتنتظر  وقت محاسبةٍ حقيقيةٍ لنظامٍ قمعيٍّ داخليًا، متآمرٍ خارجيا، وفاشلٍ اقتصاديا، ودكتاتوريٍّ سياسيا، ويُدير مشهدا انتخابيا؛ إذن أنت مدعوٌّ لمتابعة هذا الفصل البائس من تلك المسرحية العبثية الهزلية!

وأكاد أجزم برغم حجب أكثر من 500 موقع، ودعوة النائب العام المواطنين الشرفاء للتبليغ عن قوى الشر التى تبثُّ الأكاذيب عبر وسائل الإعلام، وتلقي البلاغات منهم، واتخاذ إجراءاتٍ سريعةٍ فى جرائم اصطلحوا على أنها جرائم خيانةٍ عظمى، إلا أن ذلك الترهيب وتلك الشيفونية المزيفة والمضلِّلة لن تُشرْعِن عنجهيةَ تزييف الوعى، وصناعةَ مشهدِ انتصارٍ وهمى فى عرض الرجل الواحد الذى غابت عنه الحبكة الدرامية وانصرف عنه الجمهور منذ الوهلة الأولى لبداية العرض الترويجي غير المشوِّق والمستهلَك على الطريقة السُّلطوية الكلاسيكية.

لقد وصل جمهورٌ عريض، وخاصةً من الشباب المصريّ لقناعاتٍ رافضةٍ الإذعان لتلك المقايضة الواهية؛ فقرر عدم المشاركة فى مشهدٍ عبثيٍّ حتى مع حجب حقه فى الوصول للمعلومات، ولتبقَ لحظة المحاسبة موعده المستحَق يحدده ضمير الأمة المصرية الذى أسقط ورقة التوت عن طوابير الفبركة الإعلامية، ومشاهد التدليس الحصرية، ولتصل الرسالة لعالمٍ تحكمه الازدواجية والمصالح الضيقة، وتغيب عنه القيم الإنسانية ومبادئ العدالة والكرامة والديمقراطية أمام الصفقات الانتهازية.

هذا المأزق الاخلاقى وفوبيا اللقطة الاعلامية التي دفعت النظام لاجراءات متشنجة وعنيفة ضد الصحافة المستقلة و خاصة ضد مراسلى وسائل الاعلام والصحف الاجنبية، كما الدعوة لغلق وحجب وكالة البي بي سي فى مصر وآخرها ترحيل مراسلة صحيفة التايمز فى القاهرة بيل ترو التى اجبرت على مغادرة القاهرة بعد تعرضها للاعتقال والتهديد وكما ذكرت الصحيفة فى تقريرها  بأن السلطات تحاول قبل الانتخابات مراقبة عمل المراسلين لعدم الرغبة فى تغطية مهنية للحدث.

ولكل مهتم وفى غياب التغطية الصحفية المهنية والموضوعية: هنا القاهرة من أمام صناديق اللقطة غير الجدية، هنا جماهيرُ اختبرت بالأمس القريب لحظة حرية، وتنتظر  وقت محاسبةٍ حقيقيةٍ لنظامٍ قمعيٍّ داخليًا، متآمرٍ خارجيا، وفاشلٍ اقتصاديا، ودكتاتوريٍّ سياسيا، ويُدير مشهدا انتخابيا؛ إذن أنت مدعوٌّ لمتابعة هذا الفصل البائس من تلك المسرحية العبثية الهزلية!

وللديمقراطية والحرية  فصلٌ آخر فى تاريخ نضالات الشعوب وسردياتها.

الوسوم

نفين ملك

محامية وحقوقية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.