ثقافة

صالح الخميسي.. سيرة “أحسن نوّارة تقطفها”

ثقافة

 

“أحسن نوّارة تقطفها”، “حبوني ودللت”، وغيرها من الكلمات التونسية الحلوة التي غناها صالح الخميسي، اقتطف من بعض أبياتها جمل للتغزل بفتيات الحومة في زمن جميل مختلف عن زماننا هذا، عندما كانت المرأة تتغنج على وقع خطواتها البطيئة بين أزقة المدينة العتيقة تشتري من هذا وتقلب بضاعة ذاك، تعدّل  من السفساري أو من لباسها، فتثير إعجاب الشباب الذي يتهافت عليها لعله ينال ابتسامة الرضى، فيختار كلماته بدقة حتى لا تخدش الحياء ولا تقلل الاحترام، أو نظرة عميقة تبوح بوله أحدهم.

ما زالت أغنيات الفنان أو المونولوجست صالح الخميسي تعيش بيننا يستحضرها بعضنا في سياق عبرة، ويغنيها البعض في مجالس اللهو والطرب، أغنيات من ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ولكنّها لم تندثر إلى اليوم، لعلها بصمودها تقاوم موجة الرداءة بتعلة الفنّ الشعبي، والبريء تماما من إسفاف البعض وانحطاطهم الأخلاقي.

نفتح سيرة الفنّان صالح الخميسي الأب الأوّل للأغنية الفكاهية في تونس، سنحاول في هذا المقال أن نقدّم من خلال أغنياته سيرته المتفردة، بائع الفحم الغاضب، والمعارض السياسي المنتقد لأحوال السجون، وأحد مجموعة جماعة تحت السور، سيرة ثريّة لفنّان مختلف لم يأخذ حظه إلى اليوم في التعريف به كما يجب، رغم بعض المحاولات الهامة ولكنّها تبقى منقوصة.

 

 

ولد  صالح الخميسي (1912– 1958)  بمدينة تستور ذات التراث الأندلسي، وعرف منذ طفولته بشغفه بالموسيقي ثم نزح في أول الثلاثينات إلى العاصمة وسكن بسوق سيدي بلخير بحيّ الحلفاوين أشهر الأحياء الشعبية بالعاصمة، وهناك بدأ في مراقبة التناقضات المجتمع التونسي والتي ظهرت فيما بعد في أغنياته.

بدأ مسيرته الفنيّة بفرقة الرشيدية عازفا على آلة الناي، كما عرف بتقليد الفنانين وبنظم المعارضات الغنائية. وبعد أدائه لأغنية “أنا عمري ما سكرت” والتي نالت استحسان الجمهور ومحمد التريكي رئيس فرقة الرشيدية وهو ما مكنه أن يكون “مونولوجيست” ضمن فرقة الرشيدية.

صوّرت التلفزة التونسية العديد من أغنياته وقد مثلها عدد من نجوم التمثيل آنذاك، مثل صالح الرحموني وعبد اللطيف خير الدين.

 

صالح الخميسي في إحدى الحفلات مرتديا اللباس التقليدي التونسي

صالح الخميسي وجماعة تحت السور

 تمكن صالح الخميسي من أن يكون شاهدا على عصره من خلال نقله لنماذج وظواهر اجتماعية تميّز بها مجتمعه آنذاك، بطريقة ساخرة ولاذعة. ويعود التزامه هذا إلى انضمامه إلى جماعة تحت السور وهي مجموعة من المثقفين الذين اجتمعوا بمقهى تحت السور بحيّ “باب سويقة” بالعاصمة التونسية ما بين أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي إلى 1943. ومن أشهر أعلامها على الدوعاجي ومصطفى خريّف ومحمود بيرم التونسي.

عكست أغنياته المظاهر الاجتماعية لمجتمعه طيلة الثلاثينات والأربعينات التي سخر منها ونقدها بشدّة  في أغان مثل “الدقازة” و”حبوني ودللت” أو “تدوير الدم ولا الهمّ”. كانت طريقة الخميسي مميّزة فهي مضحكة ولكنّها ذات رسالة جادّة رغم سخريتها اللاذعة. وعند تأملنا أغنية “أحسن نوّارة تقطفها” سنجد عصارة تجربة الخميسي في الحياة فهي تعبّر عن خبرته التي استخلصها في سنوات حياته.

 

 

كتب بعض أعلام جماعة تحت السور بعض الأغاني لصالح الخميسي، مثل علي الدوعاجي وحسين الجزيري، ولعل صداقته بهذه المجموعة المثقفة والتي تعيش على الهامش دون رغبة في نيل مكاسب أو منافع قد منحته القدرة على النقد الاجتماعي في أواخر ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي ليتعدى سقف النقد الاجتماعي إلى النقد السياسي. وتأتي أغنية “في بودفة” (في السجن) سنة 1955 أفضل مثال والتي استعرضت أحوال السجون التونسية، وهي الأغنية التي تحفظ عليها نظام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة وحرمت الخميسي من ممارسة الفنّ إلى لحظة وفاته في 1958.

تصنف أغنية “في بودفة” التي غناها الخميسي إثر سجنه من سلطة الاستقلال ضمن أغاني الزندالي، وهو نوع موسيقي مشتق من المزود الفنّ الشعبي التونسي. وتعني الزندالي أغاني السجناء والتي يقومون بتأليفها وتلحينها داخل زنازين السجن وقد برع في هذا النوع الكثير من الفنانين التونسيين مثل  صالح الفرزيط  والشيخ العفريت وغيرهما.

من فنّان مشهور إلى بائع فحم

دخل صالح الخميسي السجن لأشهر، عقابا له من طرف سلطة الاستقلال على ممارسة النقد السياسي. ولم يندم على ما فعله وتمسك بقناعاته بالرغم من طرده من عمله بمقرّ الإذاعة التونسية، فعمل بائع فحم، الأمر الذي استهجنه وعبر عن استيائه منه في أغنية شهيرة بعنوان “تدوير الدم ولا الهمّ”.

 

 

أصيب صالح الخميسي بمرض عضال، وهو ما أنهى حياته في سنّ السادسة والأربعين تاركا إرثا عظيما من الأغاني مازال بعضها يردد إلى اليوم ويصنف النقاد الخميسي على أنّه الأب الشرعي للأغنية الفكاهية، رغم أنّه لم ينل حقه كاملا في حياته القصيرة، وقد عملت بعض التظاهرات الفنيّة بتونس على تخليد اسم صالح الخميسي وتسليط الضوء على مسيرته الزاخرة والمتنوعة إلا أنّها توقفت في السنوات الماضية.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.