الرئيسيثقافة

ريم بريق مضيء لن يخفت

ولن يعرف قبرها الوحشة

 

يبعث الله نوره في قلب ريم، لتتقد بجموحها قوة وإرادة وثأرا على المرض وثورة عليه، فجاء موتها دون أن يخيفها لأنه قدر محتوم.

الموت ليس النهاية بل البداية الجديدة والمعبرة عن فنانة تحاصرها مرايا الروح فتنفلت من خباياه المنيعة إلى الفضاء الفسيح.

كانت الأمل الذي أنبت حدائق الأقحوان في قلوب ضحايا الحروب وقمع الاحتلال الذين شوهت ندوب المآسي حياتهم فكانت المرهم والعلاج.

أوصت غزالة فلسطين بأن لا يحزن أحد على الموت، وقالت لمحبيها أن يسعوا لإسعاد قلوب مفارقيهم بما يحبونه، لأن “انفصال الجسد عن الروح لا يبعدنا عن أحبائنا الذين نحس دائما انهم معنا وحولنا”، حسب قولها.

 

 

ريم التي اختصرت مأساة وطن، كما قال وزير الثقافة الفلسطيني إيهاب بسيسو، عانت مع كل نفس في أيامها الأخيرة من الوجع، ولكنها قاومت وقاتلت لترى في عيون أبنائها انعكاس الصمود والمقاومة.

تغير شكلها وبعض ملامحها وتغير صوتها الذي يختفي مرة فيسكن ضجيج العالم في أحشائها، ثم تنبت زهرة صوتية فتشدو العالم بكلماتها بعد أن أضحت غبر قادرة على الغناء.

9 سنوات من الصراع في سبيل الوطن والحياة، في سبيل القضية، ومن أجل ريم الترنيمة التي إذا عجز صوتها عن الغناء، داعبت إبداعها وأيقظت فيه حلة من الفنون.

 

 

شكلت بإصرارها انعكاس الذاكرة الوطنية، عاكسة ملامح المستقبل في ولادة جدلية بين معاني الصمود والقوة.

بتهليلتها الفلسطينية النابعة من عمق التراث الأصيل، وبنظرتها العميقة في روح القضية الفلسطينية، تقف ريم لتذكر العرب ببوصلتهم التي فقدوها.

فكانت فارسة السلام التي شقت بخواطرها الفنية ظلم الواقع المرير فباحت بفوح الشعر والألحان واخترقت المسامع بصوتها الشجي الذي أمطر آهات الصبر والألم والغربة.

 

 

جبرت الخاطر وناضلت من أجل بلدها، تأثرت لأن صوتها توقف كرسالة ولكنها لم تستسلم فظلت تبحث عن طرق أخرى، فتقول: “أشعر أني مثل الضوء الذي يبحث دائما عن منفذ”.

عانت من مرض السرطان الذي تسبب علاجه في إصابتها بالتهاب الرئة وكأن استقرار الداء الأول حتمية لمعاناة ثانية.

كما أجرت عملية على حبالها الصوتية بعد شلل أصاب الوتر الأيسر، فأجبر الأطباء على دفعه للداخل ليحتك مع الوتر الآخر فيوضح الصوت الذي اختفى.

 

 

وعادت بـ”خاطرة في القاطرة” لأن الأمل موجود ولأن الرغبة في التغيير كامنة فيها فنا وفكرا وعقلا.

نجحت في برنامجها الذي كتبت كلماتها من عمق تجاربها، ووضعت فيه كل ما لديها من أفكار وخواطر ومشاهد تمثيلية بحماسة وحب كبيرين.

وتمثلت معانيه وشاركت جمهورها مشاعرها وقدمت له آخر أعمالها وكأنها استشعرت ساعة الرحيل.

مسيرة تتوقف في سن 52 عاما، لابنة الناصرة التي تركت أغاني راقية وموسيقى استثنائية عابرة لحدود الأوطان ومرتبطة بجذور فلسطين.

ريم التي غطت بنورها عتمة الحياة وقسوتها، لم يكن موتها خذلانا أو ضعفا أو استسلاما بل أحيانا يكون الموت في حد ذاته انتصارا.

 

 

ونتمثل ذلك في جماليات الموت لمحمود درويش الذي يرى أن غاية الذات بالمجيء لهذا الوجود هو الحب أو في قصيدة “انتصار الموت” لويليام شكسبير”، التي قال في بدايتها “لاتحزنوا علي كثيرا حينما أموت”.

وقد تساءل الكاتب الصحفي الفلسطيني، خالد عيسى، منذ أيام حيث كانت ريم تصارع مرضها: “ماذا نقول لعصافير الجليل التي تتحلق حول سريرك في المستشفى هذا الصباح تبحث عن تغريدها في صوتك وتمسح عن جبينك الندى، وتحملك في مناقيرها غصنا أخضر بين كنيسة البشارة وجبل القفزة ؟.. كيف نقنع دمعة فضية تحبس دمعتها في ساحة العين تبحث عن خطواتك هذا الصباح في زواريب السوق القديم، وتخفي حرقتها في محل بهارات “الفاهوم”.. وتنقش حيرتها منقوشة زعتر في مخبز الطابون”.

وفي الحقيقة لا توجد إجابة تشفي الغليل ولكن ريم بريق مضيء، لن يخفت ولن تعرف وحشة في قبرها.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.