مجتمعغير مصنف

العبارات النابية.. ما الذي تعكسه؟

لم كلّما أراد رجل شتم رجل آخر ذكر أمّه أو أخته أو واحدة أخرى من قريباته في سياق جنسي فج؟

 

ليست اللغة فقط أداة تواصل وتخاطب مع الآخر بل تحتشد في طياتها الكثير من الرموز الثقافية التي صاغها الإنسان منذ القدم. كما تساهم اللغة في إنتاج الفكر وبنيته، وقد أثبتت العلوم الأنثروبولوجية أن اللغة من أرقى المظاهر الثقافية للمجتمعات، ولذلك تظل محل تنقيب اللسانيين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس، بغية سبر أغوارها، وهو الأمر الذي سيقود لسبر أغوار الإنسان وكشف أسراره ونبش ما يطرأ عليه من تحولات وتغيرات في حياته الاجتماعية.

و في نفس السياق، من أكثر المظاهر التي استرعت انتباهي كباحثة فيما يطرأ على اللغة في هذا العصر استفحال ما يطلق عليه “اللغة البذيئة” أو “العبارت  النابية” في التعبيرات اللغوية لدى مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية في المجتمعات العربية.

و بعيدا عن الأحكام الأخلاقية أو التلميح إلى خطورة هذه الظاهرة لعل مصدر اهتمامي بهذه الظاهرة مرده سببان أساسيان: أولا، التناقض الصارخ في سلوك الفاعلين في هذه المجتمعات، فهم تارة يصنفون مجتمعاتهم كمجتمعات محافظة وطورا لا يرون ضررا في استخدام لغة متفق ضمنيا على أنها فاحشة

و ثانيا، عدم خروج حقلها المعجمي عن الجنس و الدين والقرابة (الأم- الأخت) وهو الأمر الذي قادني إلى أن هذا الحقل في اللغة البذيئة محل استعمال أغلب المجتمعات العربية والغربية على حد السواء، وإن تمايزت في تصنيفات أخرى لمعنى البذاءة.  

سب الأم والأعضاء الأنثوية جزء لا يتجزأ من تحقير المرأة

إن استخدام لغة الشتائم ظاهرة قديمة في مختلف المجتمعات، إذ توجد الشتائم والكلمات النابية في كل الثقافات ولا تخلو أشعار العرب القديمة (هجاء-مدح) أو المسرحيات الإغريقية (الكوميديا الإهية) من الكلمات البذيئة. ويلجؤ معظم مستعمليها  إلى ذلك عند تعرضهم الى حالات انفعالية معينة (غضب- دهشة –توتر-) بأساليب مختلفة من الكلمات التي تقع دائما ضمن التابوهات الاجتماعية بهدف الإيذاء وتشويه السمعة والحط من مكانة الآخرين.

و قد أكد الباحث  الاجتماعي في علم اللسانيات (sociolinguistique) “عمر أوهدي” أن النسبة المرتفعة من الكلمات المستعملة في التخاطب بين التلاميذ في المدرسة وفضائها هي عبارة عن سب وقذف، و أن ما بين 75% إلى 80%  منها يحمل طابعا جنسيا يتم فيها توظيف (كلمة الأم) بشكل رئيسي.

و يضيف الباحث هذا الكلام في نظر مستعمليه فقط “لعباً بالكلمات” يجب إتقانه وإجادته، وحينما يتم قذف فرد ما بشتيمة معتادة ومتداولة فإن الأمر يستدعي فورا إجابة معتادة حول نفس التيما (thème) ونفس السجل وغالبا ما يكون العائلة (الأم ـ الأخت…) أو الأعضاء الحميمية، ويبقى كل هذا في إطار بلاغي رمزي.

 

نفهم مما سبق أن جسد المرأة مصدر ذل و مهانة في عقول الكثير. في المقابل نلاحظ افتخارا بذكر الأعضاء الذكورية دون حرج

 

يُطرح السؤال هنا: لم كلّما أراد رجل شتم رجل آخر ذكر أمّه أو أخته أو واحدة أخرى من قريباته في سياق جنسي فج؟ الجواب واضح طبعاً: فحتى تكون الشتيمة موجعة،يجب أن تهدد شعور الرجل في أعزّ ما “يملك”، وهو ما يسمى في مجتمعاتنا الذكورية بالعِرض أو الشرف الذي يقترن دائما بالجنس.

الإذلال و الإخضاع وترخيص الشخص كلها مقاصد واضحة في العبارات النابية التي تنال من الأم ولكن الأمر أعمق بكثير، فهي أيضا” قصة ثقافة تعتبر المرأة عرض الرجل”.

مفاهيمياً، ارتبطت قيمة الأم بالشرف المرتبط بالجنس، فلو قارننا بين امرأة اتهمت بعلاقة مع شخص ما وأخرى متهمة بالسرقة أو الرباء، أيهما أشد سوءاً في نظرة من الناس وأكثر ارتباطا بهتك الشرف؟! طبعا الأولى فمعنى الشرف عندنا مرتبط بالجنس أكثر من ارتباطه بقيم كالأمانة والصدق.

في مقالها تأنيث الشتيمة تقول الباحثة “عبير الزهراوي ” ّّ:  يمكن أن يكون شتم الخصم بأن أمه أو أخته عاهرة مثلاً، فهذه أكثر المهن جلباً للعار لكل الرجال المعنيين بالأمر عن قريب أو بعيد،ب غض النظر عن عدم شعورهم بأي عار حين يكونون هم الزبائن“.

 

 

وتضيف بأن الشتائم الجنسوية بصيغها المختلفة أكثر من أن تحصى قياسا بالشتائم الأخرى، غير الجنسوية، لكنها لا تحمل الشحنة القوية نفسها (نظرا لثقافتنا الذكورية)، وكثيرا غالباً ما تثير الضحك بدلاً من الإهانة، تماماً كما سيفعل ذكر العضو التناسلي للأب بدل الأمّ. إذ حتى تكون الشتيمة شتيمة، يجب أن تكون أيضاً مألوفة لدى المشتوم.

والواضح أن السباب بالأعضاء الجنسية قد تطور مع الزمن فقد اقتصر الأمر على ذكر الأعضاء الأنثوية دون الأمر أو التهديد بأي فعل ما كما كان يحدث في السابق أي في جملة تحمل مبتدأ دون خبر فأصبح العضو الأنثوي شتيمة في حد ذاته.

 

عندما يقول أحدهم “ابن المرا” فهو يعني: “ابن المرأة الرخيصة” من ناحية، ومن ناحية أخرى بأن المشتوم تربية امرأة، أي أن هذا الرجل ليس تربية رجل و هي من الإهانات التي قد يعيب البعض خصمه بها

 

والمتابع للصفحات النسوية العربية يلاحظ أن فئة من النسويات تغضبن من هذه السبة باعتبار أنها تنظر للعضو التناسلي الأنثوي باحتقار يعكس احتقار المرأة.. حتى أن بعض النسويات في لبنان قمن باطلاق حملة عنوانها “المكان الذي ولدتَ منه ليس شتيمة”..

المراة أيضا شتيمة في المجتمعات المصرية 

ومن العبارات النابية المثيرة للاستغراب التي نجدها في المجتمع المصري كلمة عادية لا يمكن اعتبارها بذاءة في المجتمعات الأخرى و هي “المرا” نعم كلمة المرأة في حد ذاتها أصبحت شتيمة أو لفظا خارجا كما يقول المصريون..  فعندما يقول أحدهم “ابن المرا” فهو يعني: “ابن المرأة الرخيصة” من ناحية، ومن ناحية أخرى بأن المشتوم تربية امرأة، أي أن هذا الرجل ليس تربية رجل و هي من الإهانات التي قد يعيب البعض خصمه بها.

  اللبؤة أيضا بذاءة في مصر  

اللبؤة في الكثير من المجتمعات هي مثال للقوة والإعتماد على نفس كما أنها أنثى ملك الغاب. لكن في مصر كلمة “لبوة ” أو” ابن اللبوة” هي أيضا “لفظ ناب” ونجد في ” دليل شتيمة النسويات”- وهو دليل طريف يعرض الشتائم الذي لا يزعج النسويات-  إحدي النسويات تعلق على هذا لفظ (اللبؤة) ساخرة “أرجو أن تشتموا النسويات بطريقة مختلفة فأنا أفتخر بأن أكون مرا أو أمي مرا ولبؤة بل إن لفظ لبؤة شرف لي فهي كائن شجاع يصطاد لأبنائه كي يطعمهم”.

ولكن لسائل أن يسأل لم أثنى الأسد بالذات؟ ربما لأن الشجاعة الأنثوية أصبحت أيضا شيئا قبيحا عندنا؟

 

حتى تكون الشتيمة موجعة،يجب أن تهدد شعور الرجل في أعزّ ما “يملك”، وهو ما يسمى في مجتمعاتنا الذكورية بالعِرض أو الشرف الذي يقترن دائما بالجنس

 

نفهم مما سبق أن جسد المرأة مصدر ذل و مهانة في عقول الكثير. في المقابل نلاحظ افتخارا بذكر الأعضاء الذكورية دون حرج.

هنا نمر إلى نوع آخر من الألفاظ  النابية وهي التي لا يقوم فيها الرجل بسب الآخر بل فقط بذكر أعضائه التناسلية دون أي سبب يدعوه لهذا في سياق كلامه.

جولة واحدة في شوارع تونس ومقاهيها أو حتى مدارسها وجامعاتها كفيلة بأن تفهمك هذا الأمر وتثير استغاربك في آن إزاء تفننن الذكور في ذكر أعضائهم في كل المجالس والأماكن ولا أظن أني أول من استغرب هذه الظاهرة، فقد سبقني بيرم التونسي في مقاله “مدينة الشتائم” لتوصيف مدينة تونس حين قال:

 “…تسمع في كلّ مكان حناجر تنطلق بذكر أعضاء التناسل، وتقليبها على كلّ وجود الاستعارات والمجازات، ولا يقتصر ذكرها على ساعات الخصام ولكن نسمعها في البيع والشراء والجدل والمزح“.

يمكن لنا هنا أن نتبنى نظرية التصعيد الفرويدي والكبت الجنسي لفهم الأمر، فقد يعزو البعض هذا لعقد نفسية معينة، ولكن يجب ألا نغفل عن دور التقليد ومحاولة إثبات الانتماء للجماعة أي السوسيوثقافيا (جماعة الأقران، الانتماء إلى الحي).

فليس كل من يستخدم هذه الألفاظ مكبوت جنسيا، إذ للظاهرة عمق اجتماعي يبتدأ منذ التنشئة المبكرة. فالطفل يقلد ما يراه، وحين يسمع أولاد حيه من الذكور بصدد ترديد عبارات من هذا النوع يقوم بتقليدهم، أما في سن المراهقة حين يغدو الحياء تهمة شنيعة بالنسبة للذكور، تكون هذه المصطلحات طريقا لإثبات الرجولة في بعض الأحيان، لا سيما و إن كان مستخدمها لا يمتلك من الخيال اللغوي ما يستطيع به التفاعل مع تعبيراتهم.

 

الدين

رغم ما يعرف عن الحساسية الشديدة للعرب تجاه كل ما يتعلق بالدين، إلا أنهم أثناء الغضب تتضمن تعبيرات شتيمتهم  “سب الدين”، فكثيرا ما نسمع في المشاجرات عبارات لعن دين الأم و الأب كما هو دارج في تونس مثلا.

وتختلف الطريقة من مجتمع عربي إلى آخر ففي بعض البلدان يتم اقحام الإله دائما حتى لو في جدال صغير أو حتى في محادثة عادية، ولكن يظل لعن الإله والدين طاغيين أكثر أثناء المشاحنات والانفعال الشديد، بالرغم من كون ذلك جريمة يعاقب عليها القانون في الكثير من المجتمعات لكنها تبقى شائعة رغم ذلك.

ولكأن المتلفظ بهذه العبارات يريد المس بأسمى قيم مجتمعه، فلسان حاله هو: “أنا غاضب جدالذرجة أنني لا أعبؤ بما أقدس مقدساتكم وأسبها تحديا لكم وتبرؤا منكم.”

كذلك لا يقتصر لعن الدين على المجتمعات العربية وإن بدا مستحفلا فيها، لا سيما في أيام رمضان وأثناء زحمة المرور، فهو أيضا متواتر في بلدان أوربية كبريطانيا و إيرلندا و إيطاليا.

الجنس مدنس في عقولنا

الشتم بالكلمات الجنسية (أفعال جنسية- أعضاء تناسلية..) عادة ما يحتوي كلمات عادية جداً قد يكون لها أصول في اللغة العربية أو أي لغة أخرى، إلا أن المجتمعات تواضعت على اعتبارها كلمات مستهجنة لا يجوز تداولها علنا في الأماكن العامة، أو في الأوساط الرسمية.

فعلى سبيل المثال، الممارسة الجنسية العادية قد تتحول هي بدورها إلى شتيمة، فيتفوه الشاتم بتلك الألفاظ الجنسية ويضعها في سياق سلبي ثم يموضع الخصم موضع المفعول به جنسيا وطبعا صورة المفعول به جنسيا رجلا كان أو امرأةً في عقولنا هي صورة تحمل الخضوع والدونية، حتى أن وصف موقف حياتي عسير في حياة شخص أصبح يتم بنفس الطريقة..

 

 

وإن دل هذا على شيء فهو يدل على دناءة الجنس في الذهنية الجماعية وعدم الشعور برفعته وبأنه فعل مشين يمكن الشتم به فنحن نضع الجنس في خانة الدناسة، لا القداسة.

تتزايد الضغوطات في هذا العالم الرأسمالي يوما بعد يوم ويجد الإنسان نفسه أشبه بآلة تقع تحت رحى السوق الإقتصادية. وفي ظل هذه الأوضاع يبدو العنف اللفضي شكلا من أشكال فقدان سيطرة  الفرد، فيكون السباب واللعن سبيله الوحيد للشعور بالراحة، إضافة إلي جعله فردا معترفا به في بعض الأحيان في الأوساط التي تتعامل بهذه الطريقة ونوع من أنواع البرستيج و مواكبة العصر لدى الشباب..

لكنه في نفس الوقت يمرر حقدا مبطنا للآخر ويكرّس  أفكارا رديئة حول الجنس والمرأة ويفضح تناقضات عميقة داخل العقل العربي.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.