مجتمعغير مصنف

الاغتصاب وإذلال الجسد … معاناة المعاقات في الجزائر

مجتمع

 

ربيعة خريس- الجزائر- مجلة ميم

 

إنهن نساء لا حول لهن ولا قوة، لم تشفع لهن إعاقتهن ليسلمن من غدر وحوش بشرية هدفها الوحيد هو المتعة الجنسية وإشباع رغبتها الحيوانية.

اصطدمن بواقع مر مرارة الحنظل بعد أن سلبت منهن عذريتهن رغم عجزهن عن الدفاع عن أنفسهن، فمهن من ولدت معاقة حركيا, فيما اكتسبت أخريات الإعاقة عن طريق حوادث يومية.

مجلة ” ميم ” أرادت الإقتراب من هذه الفئة الهشة وتسليط  الضوء عليها, وتعرية القهر والظلم الذي تتعرض له، على صعوبة ذلك، فليس من اليسير التحاور مع المعاقات ذهنيا.

 

الوحشية ضد من لا حول لهن ولا قوة

تعيش ليلها ونهارها في العراء, تقضي ساعاتها الطوال في التجوال بين شارع وآخر ذليلة مكسورة النظرات والأهداب, كل من يراها ينفطر قلبه وتذرف عيونه الدمع لحالتها البائسة..

هي شابة في الثلاثينيات من العمر, أتت التجاعيد على كامل وجهها رغم صغر سنها, سمراء البشرة, وجدنا صعوبة بالغة في الانفراد بها ومحاولة استدراجها للحديث بسبب الخوف الذي كان يتملكها. إلا أن الأحزان والهموم التي كانت بداخلها دفعتها لسرد ما تعرضت له.

هي مصابة بإعاقة حركية على مستوى رجليها لازمتها منذ الولادة، ولأن عائلتها الفقيرة تقطن بالضاحية الشرقية لمحافظة الجزائر العاصمة, لا تملك سوى شقة صغيرة وراتب ضعيف, ومع عجزها عن توفير الدواء والعلاج اللازمين, تأزمت حالتها الصحية.

عندما كانت في العشرينيات من العمر شاءت الأقدار أن يسلبها وحش آدمي, يقطن في حيها. وعن تفاصيل الواقعة تقول المتحدثة التي رفضت الكشف عن هويتها لأسباب عائلية محضة, إنها خرجت من منزلها العائلي في ذلك اليوم المشؤوم متجهة نحو محل تجاري لقضاء بعض الحاجيات, وفي طريق عودتها صادفت كهلا في الأربعينيات من العمر, استدرجها بالقوة نحو مكان خالي, فشرعت في البكاء والصراخ لكنها لم تجد من ينقذها من براثنه، ولم تشفع لها دموعها التي ذرفتها بحرقة بسبب عجزها عن الدفاع عن نفسها.. اغتصبها ثم غادر وتركها ملقاة على الأرض وهي تحاول لملمة نفسها. عادت أدراجها لكن ليس إلى البيت هذه المرة بل إلى الشارع خوفا من الفضيحة..

 

وللفتيات نصيب

صنعت مؤخرا فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة من محافظة غرداية توجد في المنطقة الشمالية للصحراء الجزائرية, الحدث في وسائل الإعلام المحلية, تعرضت للاختطاف والاغتصاب من طرف وحوش بشرية, وحسب التصريحات التي أدلى بها والدها لإحدى القنوات الخاصة, فإن مجهولين قاموا باختطاف ابنته من أمام المنزل وأقدموا على اغتصابها جنسيا وبعدها قاموا بإرجاعها إلى المنزل, مطالبا بتسليط سيف العقاب على هؤلاء المجرمين خاصة بعد تعرف أخيها على أحدهم, وأسفرت التحقيقات الأمنية عن توقيف أحد المغتصبين.

 

 

جريمة مسكوت عنها

يقول نائب رئيس الجمعية الجزائرية للمكفوفين سعيد عبد الرحمان, في تصريح لـ ” ميم ” ” مع الأسف هذه الظاهرة لازلنا نسمع بها للأسف في المجتمع الجزائري رغم القوانين الردعية التي سنتها السطات العليا في البلاد.

فالمشرع سلط الضوء في قانون العقوبات على جريمة الاغتصاب وأشار إلى فئة ذوي الاحتياجات الخاصة دون أن يذكرهم بالاسم. وعن عدد الشكاوي التي تستقبلها الجمعية سنويا, يشير سعيد عبد الرحمان إلى أنها تكاد تكون منعدمة, فمعظمها تعالج في سرية تامة, حيث تلجأ معظم المعاقات المعتدى عليهن جنسيا إلى التكتم والتستر عن مثل هذه الجرائم التي تصنف في خانة الفضائح في المجتمع الذي لا يرحم إطلاقا هذه الفئة, فالمرأة الكفيفة تدرك جيدا أنها إذا حررت محضرا لدى مصالح الأمن الجزائري وقررت متابعة الجاني قضائيا فستلطخ سمعة عائلتها وتواجه مشاكل عديدة هي في غنى عنها “.

 

ظاهرة في انتشار…. وجمعيات تلهث وراء المال

ويقول الحقوقي والقانوني عمار خبابة, في تصريح لـ ” ميم ” إن أروقة العدالة الجزائرية باتت مسرحا لقصص مأسوية تجسد

الحقوقي والقانوني الجزائري عمار خبابة

واقعا مريرا لنساء معاقات تجرعن المرارة بعد هتك شرفهن من طرف وحوش بشرية, وأرجع خبابة أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى انتشار الآفات الاجتماعية كالمخدرات وسط الشباب وأيضا الحالة الاجتماعية للمواطن التي أصبحت في خطر.

ويشير خبابة إلى أن انتشار الاغتصاب في المجتمع الجزائري هي مسؤولية يتحملها الجميع خاصة الجمعيات التي أصبحت لا تقوم بدورها, فهمها الوحيد هو الظفر بمساعدات مالية من الحكومة الجزائرية, فمعظمها أصبح دورها ” مخيبا للتوقعات “,فهناك قصورا واضحا من قبلها فمعظمها أصبحت تهتم بالمسميات والظهور الإعلامي المرتبط بالمناسبات الموسمية.

 

13 ألف حالة اعتداء جنسي خلال2017 بينهم معاقات 

ومن جهته، دق رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان, هواري قدور, في تصريح لـ ” ميم ” ناقوس الخطر بسبب

هواري قدور رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان

ارتفاع حالات اغتصاب المعاقات ذهنيا وحركيا, وقال إنه وخلال 2017 سجلت الجزائر أكثر من 13 ألف حالة اعتداء بينهم من ذوي الاحتياجات الخاصة أغلبهم أطفال ونساء حسب الأرقام التي تحصلت عليها الرابطة في ظل غياب إحصائيات رسمية, مشيرا إلى أن معظم الضحايا المعاقين لا يفشون سر تعرضهم إلى الاعتداء الجنسي, وفي حالة تحريرهم محضرا لدى مصالح الأمن الجزائري فإنهم قد يواجهون مشاكل جمة, وهي الأسباب التي تجعل الضحايا يخفون نكبتهم.

وأكد هواري قدور أن الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان تتابع باهتمام العنف الذي يستشري داخل المجتمع الجزائر وبين أفراده ليلقي بثقله على الفئات الضعيفة مثل ذوي الاحتياجات الخاصة.

وكشفت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، أخيرا في تقرير لها بمناسبة اليوم الوطني للمعوقين، إلى وجود 4 ملايين معوق في الجزائر يعاملون مواطنين من الدرجة الثانية، ما جعل شريحة واسعة من ذوي الاحتياجات الخاصة يعيشون على إعانات المحسنين والجمعيات، ومنهم من توجه للتسول في المساجد والشوارع.

 

 

خلل قانوني في معالجة الظاهرة

ويؤكد الحقوقي الجزائري حسين زهوان لمجلة ” ميم ” إن إشكالية العنف الجنسي ضد النساء المعاقات تبقى من الجرائم

الحقوقي الجزائري حسين زهوان

المسكوت عنها في المجتمع الجزائري, وانتشارها راجع إلى الانحلال الخلقي وتفكك الأسرة وغياب الوازع الديني, فأصبح ينظر للمرأة جسدا صالحا للاستغلال رغم الإعاقة الحركية أو الذهنية التي تعاني منها، تغتصب دون أي ردع ولا خشية من عقاب.

ومن بين الأسباب التي تقف وراء تفشي هذه الظاهرة الفراغ القانوني في معالجة جرائم الاعتداءات الجنسية التي تزال تصنف ضمن جرائم المساس بالآداب العامة و الأخلاق، ليبقى الجاني دون عقاب حقيقي و لا تستفيد الضحية من أي تعويض مادي.

وأشار محدثنا إلى وجود مشاكل اجتماعية أخرى كتأخر سن الزواج لدى الشباب وتعاطي المخدرات والكحول وأساليب التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي الممارس على الأبناء داخل الأسرة ونقص الوازع الديني والتوعية والتوجيه، خاصة فيما يتعلق بالتربية الجنسية، وأخيرا نقص الاهتمام بالشباب وشح وسائل الترفيه خاصة لدى المراهقين للترويح عن النفس وتنفيس الطاقة المكبوتة.

 2 بالمائة فقط نسبة الجرائم المبلغ عنها

وأرجعت أستاذة في الطب الشرعي, رفضت الكشف عن هويتها لأسباب مهنية, في تصريح لمجلة ” ميم أسباب انتشار ظاهرة اغتصاب المعاقات في المجتمع الجزائري مؤخرا إلى التكتم الشديد من طرف الضحية ورفضها التبليغ عن الجاني ومتابعته قضائيا وهو ما يفقد السيطرة على الجريمة وتتفاقم بذلك معاناة الضحايا ويفلت الجاني من العقاب الذي أصبح اليوم يستعمل وسائل جد مبتكرة للإيقاع بفريسته وعادة ما يكون المجرم من أقرب المقربين للضحية ومن المحارم أيضا.

وبلغة الأرقام تقول الأستاذة في الطب الشرعي, إن التبليغ عن مثل هذه الجرائم لا يمثل سوى 2 بالمائة, فهذا الطابو مسكوت عنه من طرف أغلبية الضحايا خوفا من العار والفضيحة.

فالمجتمع الجزائري لا زال مجتمعا محافظا, ومن بين الأسباب الأخرى التي ساهمت في تفشي الظاهرة, تشير المتحدثة إلى انتشار القنوات الفضائية الإباحية وتفشي العنوسة والعزوبة التي صارت واقعا لا مفر منه.

وحسب التصريحات التي أدلت بها عميد أول للشرطة, خيرة مسعودان, لوسائل الإعلام على هامش الدورة الخامسة للجمعية العامة لبيان المؤتمر الدولي لكيغالي، حول دور الأجهزة الأمنية في وضع حدّ للعنف ضد النساء والفتيات، بخصوص اغتصاب النساء المختلات عقليا، فإنه يتم تسجيل حالات شاذة لا تتجاوز 20 شكوى على مدار السنة، وأرجعت أسباب عدم تلقي مصالح الأمن شكاوي عديدة إلى عدم قدرة الضحايا على التبليغ لأن أغلبهن لسن في كامل قواهن العقلية وفي غالب الأحيان يقوم جيران الضحية أو عائلتها بالتبليغ عن الأمر إذا ما تفطنوا إلى وقوع عملية الاغتصاب.

اغتصاب … وبعدها أطفال بلا نسب

ومن جهتها قالت عضو لجنة الشؤون القانونية والحريات بالبرلمان الجزائري, والنائب عن حركة مجتمع السلم, فاطمة سعيدي,

عضو لجنة الشؤون القانونية والحريات فاطمة سعيدي

في تصريح لمجلة ” ميم ” إن قانون العقوبات الجزائري قد أنصف هذه الفئة, وسلط عقوبات مشددة وردعية، فالمشرع الجزائري وسع الحماية القانونية لهذه الفئة.

وتشير سعيدي إلى أنه من الصعب جدا التحكم في هذه الظاهرة, لأنها المسؤولية يتقاسمها الجميع حتى النساء المعاقات ضحايا الاغتصاب, فأغلبهن يفضلن المكوث في الشارع على التوجه إلى مراكز الإيواء والمصحات, وهو ما يصعب على مصالح الأمن الجزائري والجهات المختصة توفير الحماية لهن, حسب قولها.

وعن أسباب انتشار هذه الظاهرة تؤكد فاطمة سعيدي إن هناك عدة عوامل أبرزها صعوبة تحديد هوية الجناة لأن أغلب الضحايا هن معاقات ذهنيا فمن الصعب جدا استدراجهن  للحديث. وتوضح عضو لجنة الشؤون القانونية بالبرلمان أن تفشي ظاهرة اغتصاب المعاقات ذهنيا وحركيا ساهم  كثيرا في انتشار الأطفال مجهولي النسب، البالغ عددهم 3000 طفلا، حسب التصريحات التي أدلت بها رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

وتؤكد المتحدثة في هذا السياق بأنها صادفت العديد من المعاقات اللواتي وقعن بين أيدي المغتصبين ووجدن بعد ذلك أنفسهن حوامل بأطفال بلا نسب.

إحصائيات وأرقام منقوصة

وعن أسباب عدم فتح نقاش حول هذه الظاهرة على مستوى البرلمان الجزائري, قال عضو لجنة الصحة والتضامن الوطني بالبرلمان, برشيد يوسف, في تصريح لمجلة ” ميم ” إن دور البرلمان ينحصر في التشريع, ولا يمكن للنواب فتح هذه القضية للنقاش على مستوى البرلمان بغرفتيه أو مساءلة الحكومة، في ظل غياب إحصائيات رسمية عن الضحايا، وإن توفرت فهي منقوصة.

ويشير برشيد يوسف إلى أن محاربة هذه الظاهرة تقع على عاتق المجتمع المدني من خلال تكثيف عملية التحسيس بمخاطرها والعمل على إنشاء خلية إصغاء للتكفل بالضحايا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.