مدونات

اعترافات ابنة جاحدة في “عيد الأم”

لأول مرة بعد 11 عاماً على رحيلها، أذكر أمي وأتحدث عنها، أعترف بأني أشتاقها، أعترف كم كنت ابنة جاحدة  ومقصرة لأبعد الحدود، ويزداد كرهي لما يسمه البعض "عيد الأم"

 

رغم أني من الأشخاص الذين تتطاير المواقف والأشخاص من ذهنهم بسرعة تفوق البرق، غير أني أذكر ذاك الموقف جيداً وأستذكره في نفس اليوم من كل عام.

“أبلة صفاء”-حبيبتي، تقف بعيداً عن الأعين تبكي خلسةً وتمحو أثر الدموع قبل أن يراها أحد، ولم يكن شخصاً لينتبه لها وسط الأغاني والاستعراضات والمسابقات الضاحكة التي اعتدنا رؤيتها كل مناسبة “عيد أم”.

لم أدرك وقتها سبب بكائها ربما لأعوام، حتى عرفت صدفةً أن والدتها توفيت وهي طفلة صغيرة نشأت مع والدها وزوجته، لكن دموعها كانت كافية لأبغض هذا اليوم والمناسبة التي يحتفي بها، لحبي الشديد لها.

وتصديقاً للمثل الشعبي “ميحسش بالنعمة غير المحروم منها” لم يكن لهذه المناسبة أي أهمية لدي، حتى “زن” أمي في كل عام “هتجيبي لي إيه في عيد الأم؟” لم أكن أهتم له، ربما بعض مرات أحضرت لها “وردة بلاستيكية” ليس رغبة في إسعادها بل تحت تأثير “محاضرات المدرسين عن فضل الأم وضرورة الاحتفاء بها” في هذا اليوم أو تشبهاً بأصدقائي.

توفيت أمي-رحمها الله- وأنا 19 عاماً فقط، ناضجة ربما لكن ليس بدرجة كافية لإدراك ما تعنيه مواجهة العالم دون أمي؛ رغم أني تحملت مسؤولية رعاية والدي وأشقائي باعتباري أكبر البنات، خاصة عندما قرر والدي أن ينفذ وصيتها بعدم الزواج بعدها.

كانت أمي-رحمة الله عليها- قنوعة وغير متطلبة بالمرة، وهي صفة ذميمة ورثتها عنها؛ لم تفكر يوماً بما ترغب بل ما نرغب نحن، لم تعودنا الاهتمام بها وبمشاعرها، كان أسوأ ما فعلته بنفسها وبنا.

ربما لم أدرك وقتذاك معنى “فقد أمي”، فوقت الصدمة يكون أثرها ضئيلاً للغاية حتى تفوق لتدرك جسامة الحدث؛ وساعدت نفسي كثيراً، أو ربما ظننت ذلك، بالتحايل على محنتي بالتناسي والانشغال..

لم أترك أي أغنية عن الأم تمر على مسامعي طيلة 11 عاماً، مرت منذ رحيلها، لم أستمع لبرنامج أو فيديو عن قيمة الأم وفضلها، لم أتحدث عن أمي حتى مع نفسي، اكتفيت بالدعاء وقراءة القرآن وإخراج الصدقات دون أن أذكر نفسي بأي موقف دار بيننا، كنت أخشى أن أحن إليها  فلا أجدها.

أجيد الهروب من أزماتي مهما عظمت، أعترف بذلك، وربما ساعدني ذلك لأبقى تلك الفتاة التي تفوق 100 رجل قوةً، كما يصفني الجميع، لكني أدرك في قرارة ذاتي أن أحتاج جداً أن أظهر ضعفاً على الأقل أمام ذاتي، وربما هذا ما دفعني لأكتب هذا المقال.

لأول مرة بعد 11 عاماً على رحيلها، أذكر أمي وأتحدث عنها، أعترف بأني أشتاقها، أعترف كم كنت ابنة جاحدة  ومقصرة لأبعد الحدود، ويزداد كرهي لما يسمه البعض “عيد الأم”.

 

الحقيقة أنني لم أكن أبداً “ابنة” حتى تربيت مع ابنتي فصحيح أن “الأطفال هم اللي بيربونا”

 

ذات مرة قالت لي والدة صديقتي مصبرةً: غداّ تنجبين وتتبدل الأدوار لأصبح أماً لا ابنة، فتنتظري هذا اليوم وتتمني أن يأتي لتسمعي من ابنتكِ كلمات المعايدة والثناء.

وقتها فكرت أنها ربما تكون محقة ولم لا، عقب 7 سنوات أمومة أدركت أن العكس هو الصائب؛ كلما كبرت طفلتي أمامي أو أرهقتني تربيتها تذكرت أمي ودعوت لها، كل أمر أجهدت أمي  به تعيده معي طفلتي لأشعر بكبر ذنبي.

لم أدرك حجم معاناة أمي في تربيتي أنا وأشقائي، وأنا أصعبهم للأمانة، حتى أنجبت، لم أفهم لم “الجنة تحت أقدام الأمهات” حتى خبرت الحمل والولادة والرضاعة والفطام، تعويد الطعام، وتجربة البوتي المريرة، التسنين، والمذاكرة، الكسور والأمراض وملايين الأشياء التي لا تروى ولا تكفيها مجلدات.

لم أشتق لأمي وأنا أتحمل مسؤولية الأسرة كاملة في غيابها، لم أفتقدها وقت تجهيزي للعرس، لم أبك لعدم وجودها بجانبي بأول ولادة، لكني أبكيها الآن وأشتاقها حد الوجع وأفتقد وجهها الذي لا يعبس وهي تنادينيا “سومة، ما تيجي تقعدي معايا شوية”.

يقتلني أني لم أكن إلى جوارها وقت الاحتضار؛ رغم أني لا أقوى على هذا المشهد، يقتلني حزني كلما احتضنتيني ابنتي أو قبلتني، وأندم أني لم أكن أفعل الأمر نفسه مع أمي، كم كنت قاسية ولا ألتمس لصغر سني أي عذر فابنتي أصغر سناً.

ربما فات الأوان على اعترافي هذا، ربما لن تسمعني لكني أدركت الآن فقط كم كنت غير آدمية في رفض الطعام، في تفضيلي الخروج مع أصدقائي وتركها وحيدة، في عدم التفكير بها عوضاً عن التفكير بما أريد طوال الوقت.

الحقيقة أنني لم أكن أبداً “ابنة” حتى تربيت مع ابنتي فصحيح أن “الأطفال هم اللي بيربونا”.

لا أجد الحقيقة أي قيمة لتحديد يوم للاحتفاء بالأم؛ فلن تكفيها سنوات العمر للعرفان بتضحياتها المستمرة ليل نهار- وإن توفيت، سوى أننا نؤلم من غابت أمهاتهم عن دنيانا لمكان أفضل، فمن لديه أم لن يدرك عظم ما لديه من نعم مهما شكر حتى ترحل..

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.