ثقافةرأي التحرير

كتاب “إلى أن قامت الحرب”: توثيق مشاركة المرأة في الثورة السورية

#الثورة_السورية

This post has already been read 62 times!

الثورة السورية التي اندلعت ذات ربيع قبل سبع سنوات وخلفت ما خلفت من آثار، بعد أن اتخذت مآلات غير تلك التي تم توقعها في البدء. وحادت بالتالي عن المسارات التي رسمها الحالمون لها، فوجد السوريون أنفسهم في خندق العسكرة والحرب الأهلية.

ولأن النساء دوما كنّ في دائرة الضوء وهن يصنعن الوقائع التاريخية ويسهمن بشكل فاعل في حياكة مصير الشعوب والأمم، فإن دورهنّ في الثورة السورية كان كبيرا وفاعلا، وهو ما يرصده كتاب “إلى أن قامت الحرب: نساء في الثورة السورية”.

وقد تم تقييمه باعتباره كتابا فريدا، وهو للكاتب جولان حاجي، ليس لأن موضوعه هو النساء في الثورة السورية، وإنما لأن الكاتب ينظر إلى الأحداث ويقيّمها بعيون النساء، من خلال تجاربهن ومآسيهن ومفاهيمهن وآمالهن وإحباطاتهن وشجاعتهن التي كثيراً ما قادتهن إلى معتقلات النظام والسجن والموت.

وبعد التمهيد ينتقل الكاتب لتقديم المقابلات التي أجريت مع ستين امرأة لا يذكر أسماءهن الحقيقية، ولكنهن من مختلف المناطق السورية، كداريا والزواني ودوما وحرستا وغيرها. والمقابَلات تظهر الفرق بين الحضريات والقرويات: فالفئة الأولى من النساء يقدمن آراء قطعية متوهّمات أن آراءهن تغطي البلاد بكاملها، ويعلّلن ذلك بأن القيود على تنقلاتهن الجغرافية أقل من تلك التي تواجه الريفيات.

وهن نقيض الريفيات اللواتي لا تحيّز دينياً لديهن ولا أيديولوجيا ولا ثقافة، فهؤلاء أكدن أن النظام لن يتوقّف عن القتل، وأن لا مفرّ من عسكرة الثورة «وإلا فقد نذبح جميعاً»، على حد قول إحداهن.

وفئة ثالثة من النساء المحاورات لم يكنّ من دمشق وريفها، بينهن علمانيات ومحافظات وناشطات سياسياً، أكدن ضرورة الالتحاق بالثورة للتخلص من القمع الوحشي والتعذيب. وتنتهي المقابلات بصوتين لامرأتين في المنفى، واحدة برجوازية توضح دور طبقتها في سورية والمعارضة السياسية وأسباب فشلها؛ والمرأة الثانية كردية تظهر الوضع المزري اللاحق بأكراد سوريا المحرومين من ممارسة لغتهم وحتى من استخدام أسمائهم.

 

تونس ومصر إشارة البدء

ومن خلال الشهادات الواردة في كتاب نساء في الثورة السورية، بيّنت المتحاورات أن ثورة تونس ثم مصر حمّستا السوريين للثورة على الظلم والبطش والعنف اللاحق بهم. كما أوضحن أن أعداد النساء اللواتي انضممن إلى المتظاهرين كانت قليلة في أول الأمر، إلا أن أعداداً متزايدة منهن وحتى من الأطفال ما لبثت أن انضمت إلى الرجال مع أن بعضهم استنكر وجود النساء بينهم.

وعلى الرغم من أن المسيحيات لم يشاركن في أول الأمر، إلا أنهنّ كنّ يطبخن للمتظاهرين ويطبّبنهم ويخبّئنهم في بيوتهن. كما أصبحت الكنيسة في داريا مستشفى ميدانياً.

ثم انضمّت المسيحيات بدورهن بأعداد كبيرة إلى الثورة. ومزّق المتظاهرون صور الأسد وحطّموا تماثيله وأصدرت النساء صحفاً ثورية ثم صمّمن الشعارات والملصقات، وقمن برسم صور كاريكاتورية وزّعنها ليلاً مع الصحف على البيوت والمحلات المغلقة وحين شحّ المصل والأدوية والدم وغيرها عملت النساء على تأمينها.

وحتى النساء اللواتي فقدن أبناءهن أظهرن شجاعة نادرة. أما البنات المناضلات فكان أكثر ما خوّفهن هو الاعتقال والتعذيب واغتصابهن. وأبدين نقمتهن على العلويين الذين كانوا في الحكم والسبب في هذه المآسي كلها.

وفي هذا السياق قامت النساء بوصف تغلغل المخبرين بينهن وهجوم “الشبيحة” ورجال أمن النظام عليهن بالقنابل المسيلة للدموع في أول الأمر ثم بالرصاص الحي، حتى الذين كانوا يشيّعون جنازات الشهداء لم يسلموا من رصاص النظام ليقتل أعداداً منهم.

وتروي شهادات النساء كيف قطع النظام الماء والكهرباء وخطوط الهاتف والانــترنت كما حـــوصـرت المدن واشتدّ القصف عليها. ودفع الخوف والجوع والموت السكان إلى الرحيل باحثين عن الأمان. ولكن لسوء الحظ استغلّهم أصحاب البيوت والشقق في دمشق وغيرها فرفعوا أجور المنازل..

 

جرائم نظام ولؤم معارضين

وتطنب النساء في وصف تفاصيل مع حدث وما يحدث في سوريا وكل الأطراف المتدخلة في الجرائم المرتكبة هناك والتي يدفع السوريون ثمنها وأول ضحاياها نساء سوريا.

ومن خلال هذه الشهادات تنقد النساء ما يقوم به النظام السوري وأيضا ينتقدن لؤم بعض المعارضين الذين احتكروا السياسة، وحمقهم وتقول إحداهن : «فهذه التجمعات السياسية المعارضة أثبتت مراراً خيبة أملنا».

وعليه لا يخفين ألمهن لما نتج من ذلك من بطالة وفقر ونزوح. وإحداهن تبدي نقمتها على رجال المعارضة الذين غادروا سورية وعاشوا في فنادق فخمة، تذكر منهم ميشال كيلو، جورج صبرا وهيثم مناع.

وترى إحداهن أن الثورة المسلّحة التي قامت ضد النظام أخفقت لأن النظام كان أقوى. وتوصّلت في النهاية إلى أن المحادثات السلمية بين الأطراف هي الطريق الوحيدة إلى إنهاء المجازر في سورية.

ولكن على الرغم من ألمهن لإخفاق الثورة، بيّنّ أنها أحدثت تغييراً، ولو نسبياً، في المجتمع السوري: فأدت الثورة إلى وعي النساء حقيقة أنفسهن، وبعد أن انخرطن في الثورة وأدركن أنهن تغيرن، بدأن يتعطشن إلى التحرّر وأدركن أن الحرية هي حرية التفكير ومواجهة المعتقدات الراسخة، وأخذن يسائلن القيم والأعراف ويشككن فيها.

ومن المفارقات أن الكاتب هنا لاحظ أن الريفيات اللواتي حاورهن كنّ أكثر استقلالية في موقفهن من القيم والتقاليد، ويعلّل ذلك بأن اللواتي خرجن للتظاهر «تخطين الحدود التي كانت مرسومة للجندر… وخرجت بذلك عن سلّم القيم المهيمنة وسكون الأعراف الاجتماعية وسطوتها». وبصرف النظر عن الفوارق بين مواقف النساء من المساواة بين الجنسين، لاحظ الكاتب أن معظم اللواتي حاورهن التفتن خلال الثورة كل إلى هويتها كامرأة ومعنى تلك الهوية».

هنّ كذلك تحررن من عزلتهن التي اتخذت مظاهر مختلفة: من عزلة تجاهل المجتمع لهن، ثم بعد الثورة عزلة النساء اللواتي اعتقلن وسجنّ، حتى أسرهن تنكرت لهن أحياناً، ونسيهن الآخرون وهن في عزلة زنازينهن، ثم عزلة اللواتي اضطررن إلى مغادرة الوطن.

وإلى جانب المقابلات التي شكلت العمود الفقري لهذا الكتاب يمعن الكاتب في وصف ألوان التعذيب والإذلال التي تعرّضت لها النساء السجينات ضحية النظام السوري ومن بينهن المحامية والأستاذة والمرأة الحامل والطالبة الجامعية. ويستمرّ خوفهن من النظام ومن ملاحقته وتعذيبه حتى بعد خروجهن من السجن. ولكن بينهن أيضاً السافلة التي كانت تشي بالناس ليسوقهم النظام إلى السجن والقتل.

 

الموقف النسوي للكاتب

وفي خضم هذه الأحداث المأسوية لا نستغرب أن نسمع النساء، ومعهن الكاتب، ينتقدون الرجال الذين كانوا سببها، فكلاهما يحمل المسؤولية لهم باعتبارهم السبب في ما حدث للبلد ونسائه باعتبارهن الحلقة الأضعف والضحية الأكبر من تداعيات انحراف الثورة عن مسارها والحرب الدائرة في سوريا.

ومن خلال الكتاب نلمس موقف الكاتب النسوي حيث يهاجم ظلم الرجال واحتقارهم النساء وإذلالهن، حتى اللواتي كنّ رفاقهم في المظاهرات. ويدين موقف المجتمع الذي يميز الذكور عن الإناث.
ومن المؤشرات الدالة على الموقف الذكوري إزاء النساء يذكر الكاتب مقاومتهم لاشتراك النساء في التظاهر على أساس الحفاظ على شرفهن. وفي هذا السياق رضخت كبيرات السن، أما الشابات فرفضن الطاعة المفروضة عليهن.

وهنا يؤكد الكاتب جولان حاجي أن الرجال يسيطرون في غالب الأحيان، ويفرضون الضوابط والقيود على النساء. وإذا نجحت زوجة أحدهم في مهنتها تنتابه الغيرة منها. فهو يرى أن النساء معلقات بين ثالوث، أذرعته: العيب والممنوع والحرام .

رجال النخبة خافوا أن تؤدي الثورة إلى انهيار النظام القمعي الذي يعرفونه، أما النساء البرجوازيات فأيدنها، لأنها قد تؤدي إلى تغيير يعود عليهن بمنفعة.

إلا أن امرأة برجوازية في المنفى بينت بصدق أن طبقتها هادنت النظام، وإن لم تؤيده، لأن مصالحها المادية اقتضت ذلك.

ورغم من انحياز الكاتب للمرأة واستماتته في الدفاع عنها من خلال هذا الكتاب إلا أنه لم يجانب الموضوعية، وهو ما اقتضى منه أن يبين موقف عدد كبير من النساء المتفقات مع السياسة البطريركية التي تقوم على الهيمنة الذكورية، وهن يعتقدن أنه على المرأة أن لا تهتم بالقضايا الكبرى وأن تقتصر على القيام بدورها التقليدي، أمّا وزوجةً.

وهن بهذا الموقف يسهمن في تكريس خضوعهن وفي الانتقاص من قيمتهن ودورهن..

وفي الختام، يؤكد الكاتب أن الثورة لم تنجح بسبب عنف النظام، لا لأن الكثير من الرجال والعادات والتقاليد كانت ضد مشاركة النساء فيها. ولكن على الرغم من ذلك، فإن توثيق مشاركة المرأة في الثورة أضاء الحاجة الماسة إلى التفكير في الصمت واللامبالاة والشك تجاه النساء واستبعادهن وإسكاتهن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كتاب “إلى أن قامت الحرب”: توثيق مشاركة المرأة في الثورة السورية”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.