مدونات

في التهذيب بالفن وتهذيبه

بقلم: د. مراد الحنفي

This post has already been read 3 times!

 

قد لا يجادل أي أحد في مكانة الفن الراقي عند أصحاب الأذواق السليمة في تهذيب النفوس، وإراحة القلوب من تعب الحياة، وإعطائها نفساً جديداً تستعِدُّ به لما يستقبل من الحوادث.

ولم يختلف الناس أبدا في ترك “الفنان” يطلق العنان لخياله وإبداعه، فيأتي بصور بديعة ومعاني رائعة. حتى تجاوز الناسُ عن أشياء كثيرة ما كانوا ليتجاوزا عنها لولا حبهم للجمال والفن وقيمهما.

بل نجد النقاد يردّدُون من زمن بعيد، حيث الحفاظ وتفشي الحدود الأخلاقية والثقافية والإيديولوجية: “أحسن الشعر أكذبه” إيذانا منهم أن كبح جماح الإبداع لا يعود على الساحة الفنية بالشيء الكثير، وإحسانا منهم لإعمال قواعد النقد في المجال الإبداعي حيث لا إفراط ولا تفريط.

وإذا اتفق الناس على أهمية الفن في تهذيب النفوس، فإنه صار لزاما على الساحة الفنية بما تعُجُّ به من ضوضاء وغوغاء، لم تعرف لهما مثيلين، أن تنصت لصوت العقل ولو برهة زمنية قصيرة، استرجاعاً للنَّفَس، والتفاتة إلى الوراء لتقييم المُنجَز.

ولست هنا في حاجة إلى تعريفك أيها القارئ بأسباب هذا الضوضاء والغوغاء. فلربما تتسابق إلى ذهنك الآن كثير من ترهاته.

وهكذا أصبح الفن المهذِّب في أصله، أحوج شيء إلى التهذيب.

ومهمة النقاد في كل الميادين تمييز الخبيث من الطيب، والصالح من غيره.

 

ليس من الإنصاف في شيء هذه المقاربة التي تنهجها وسائل الإعلام من الإشهار والإذاعة لأشخاص ما عرفوا إلا بالتفاهة والعفن، لتتحول نكرات في أقوامها، لم تقدم للفن شيئا إلى معروفين ومشاهير

 

والتهذيب الذي أعنيه ونرجوه، ليس تكميماً للأفواه، ولا وِصاية على الإبداع، وإنما إعادة للقطار إلى سكته، أو الاقتراب من ذلك على الأقل، فالناظر إلى المنتَج الآن لا يحتاج إلى كثير من التأمل للوقوف على الشرْخ المتفاقم بين المنتظَر والحاصل.

وقد يقال إن المثقفين هم من يرون في المنجَز اليوم هذا النقص؛ ولكل زمن ما يوافقه من ألوان الإبداع. وقد يتم الدفع بأرقام المتابعين دليلاً على إعجاب الناس بهذا المسوَّق.

والحقيقة أن هذا ليس مبررا أبدا. فالفن بما هو إبداع يسمو عن كل ابتذال، ويحرص على الحفاظ على مكانته لا على الزوال.

 

الفن المهذِّب في أصله، أحوج شيء إلى التهذيب

 

وإذا انبطح البعض وانغمس في مستنقع التنازلات فإن الساحة الإبداعية لا ينبغي أن تفرغ من قابضين على الجمر، يقفون على الأصح دون تزعزع.

ومهما أُعطي الفنُّ من جرعات الحرية فلا ينبغي التستر وراءها في إفساد أذواق أجيال بكاملها، أجيال سيصعب عليها ـــ بحكم نشأتها على ما يروج الآن في أوساط وسائل الإعلام ــــ أن تعرف شيئا عن فن أمة بأكملها، بقيمه ودعواته.

وليس من الإنصاف في شيء هذه المقاربة التي تنهجها وسائل الإعلام من الإشهار والإذاعة لأشخاص ما عرفوا إلا بالتفاهة والعفن، لتتحول نكرات في أقوامها، لم تقدم للفن شيئا إلى معروفين ومشاهير.

د. مراد الحنفي

كاتب مغربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.