مجتمع

المرأة التونسية بين المحترسين والمفترسين

ما يجعلنا نشك في صدق خطاب الكثير من السياسيين والمثقفين في ما يتعلق بدفاعهم عن المرأة هو ما يكشفه الواقع من تناقض بين المقول والمعمول، بين الخطاب والممارسة، بين سحر القول وبشاعة الفعل، عن أية امرأة يتكلم هؤلاء؟

 يُنتظر من النخبة السياسية والفكرية إعادة النظر في الأرضية الفكرية التي تأسست عليها “الثقافة النسوية”، أقصد ما يتعلق بالنظرة إلى المرأة وما يصاغُ حولها من نظريات ومن تشريعات وما يُنسب إليها من مكتسبات وحقوق.

ثمة مسافة بين ما يُقال وما يُفعل وبين ما يُكتب وما يُعاشُ، ثمة مسافة بين ما يُبديه كثير من المثقفين والسياسيين في خطابهم تجاه المرأة وبين ما يستبطنونه ويمارسونه في علاقتهم بها وتعاملهم معها.

نلاحظ بداية أن حماسة الكثير من الرجال سياسيين ومثقفين في الدفاع عن حقوق المرأة إنما تعبر عن شعور باطني لديهم بوصايتهم عليها وبكونها كائنا قاصرا تحتاج حماية، كما تعبر عن شعور لا واعٍ بالتفوق الذكوري سواء كان طبيعيا أو مكتسبا، وهنا يحتاج المتكلمون أولئك أن يسألوا أنفسهم عن مدى جدية دعوتهم للمساواة بين الجنسين؟ وعن مدى صدق إيمانهم بمؤهلات المرأة حتى تكون جديرة بما يطلبونه لها من حقوق؟

ازدواجية النخبة

ما يجعلنا نشك في صدق خطاب الكثير من السياسيين والمثقفين في ما يتعلق بدفاعهم عن المرأة هو ما يكشفه الواقع من تناقض بين المقول والمعمول، بين الخطاب والممارسة، بين سحر القول وبشاعة الفعل، عن أية امرأة يتكلم هؤلاء؟ هل يقصدون المرأة بما هي امرأة دون اعتبار لهويتها العقدية أو السياسية أو الجهوية أو الطبقية؟ أم يقصدون امرأة يشكلها جهاز حكم وخطاب سياسي وفق رغبة أصحابه؟ ما نصيب المرأة الريفية من الكرامة والسعادة والرفاه؟

ما مكانة نساء الأحياء الشعبية والقرى المحرومة في النسيج المدني والجمعياتي؟ ما هو مستوى اهتمام الجمعيات النسوية والمنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية بما تعرضت له أمهات وزوجات وبنات وشقيقات المعارضين لسلطة الحزب الواحد وخاصة أبناء الحركة الإسلامية طيلة عقدين تحديدا، حين كُنَّ يُحرَمن من الدراسة ومن الشغل ومن حريتهن حتى في غطاء الرأس بعد الاعتداء على حريتهن السياسية والفكرية والعقدية، بل إن تلميذات متفوقات يُحرمن من الجوائز والمنح بسبب الانتماء السياسي لآبائهن وأمهاتهن.

 

ما زالت المرأة تمثل غرضا تقليديا من أغراض الشعر لم تتحرر صورتها لدى الكثير من الشعراء العرب من كونها “جسدا”، وإن الكثير من هؤلاء وهو يكتب ما يدعيه “شعر حب”، لا يعي أنه بصدد التعبير عن شهوة واهتياج جنسي

 

لقد ظل الحديث عن حقوق المرأة يُستعمل كما الزبيبة لتحلية الخطاب السياسي وتنكِيهِ إيديولجيات ثكنات المعسكرات الاستئصالية.

لقد ظلت مفردة “المرأة” تمثل أبرز عنوان للنفاق السياسي والإيديولوجي وستظل تمثل أكبر وصمة عار في تاريخ النخبة الفكرية والسياسية التي تحالفت مع الاستبداد واشتغلت في الحرب على بنات ونساء تونس ممن اخترن لأنفسهن أفكارا ومسارا ومدارا اختلفن فيه مع غيرهن من شركاء الوطن.

 

الرؤية السلعية

ولا تختلف صورة المرأة تلك في الخطاب السياسي والإيديولوجي عن صورتها في الأعمال الفنية من سينما وشعر ورسم وغناء بل وفي الأعمال التجارية حين تستعمل وسيلة للإشهار والاستثارة الغرائزية والإهاجة الشهوانية.

ما زالت المرأة تمثل غرضا تقليديا من أغراض الشعر لم تتحرر صورتها لدى الكثير من الشعراء العرب من كونها “جسدا”، وإن الكثير من هؤلاء وهو يكتب ما يدعيه “شعر حب”، لا يعي أنه بصدد التعبير عن شهوة واهتياج جنسي، يظهر ذلك في اجتهادهم في تصوير تفاصيل الجسد، وما يرافق ذلك من عبارات، لا تحيل إلا “لحرب الجسد”، من قبيل “اللوعة” و”الاكتواء” و”الجراح” و”الحرقة” و”السهاد”، حتى إن السامع لهؤلاء يخيل إليه أنه في إحدى مستشفيات ضحايا حرب أهلية.

 

مازالت المرأة ـ وفي زمن الثورةـ محاصرة بين المحترسين والمفترسين والخطابان يلتقيان في نظرة لا تخرج عن كونها نظرة غرائزية” تُحركها الحسابات السياسية والمنافسات الانتخابية

 

فالحب “هو وهج الحياة، وهو بذاته مصدر اللذة والانتشاء والسعادة، وهو لا ينبع من مخزون غرائزي، وإنما من توهج روحاني نقي وبريء، فنحن نحب المرأة بحبنا للإنسان. والمرأة عندي أجمل قصيدة لم يكتبها شاعر ولن يكتبها، إنها “روح المدى”، إنها طاقة “الحياة”، أما الجسد فليس أكثر من ترميز مادي، لجمال غير مادي، لا تطاله الحواس، وإنما ننفذ إليه بطاقتنا الروحانية، وهذا أعظم من أن يقدر عليه من جدبت أرواحهم، ولم تستعر فيهم إلا الطاقة الغرائزية تؤزهم أزا، فإذا هم لا يدفقون حبا إنما يلتعجون اشتهاء، وليس ما يزعمونه حبا إلا لهج مهتاجين”.

أرى أن المرأة محاصرة اليوم بين خطابين: خطاب محترس وخطاب مفترس. المحترسون يخشون على المرأة، ويحرصون على حمايتها بأساليب تقليدية، يُضيقون عليها حريتها ويحرمونها من أن تكون فاعلة ومؤثرة في الحياة يريدونها أن تظل معزولة عن النشاط العام وأن تكون مجرد ورشة لإنتاج الأطفال وأداة للطاعة والإستجابة ، والأخطر في ذلك هو تلبيس نظرتهم تلك لبوسا دينيا بما يسيء إلى روح التحرر في الإسلام العظيم وبما يشوه صورة المرأة في القرآن وفي السنة النبوية.

التوظيف الإيديولوجي والحزبي

أما المفترسون فيخاتلونها بخطاب حداثوي ويحرضونها على التشَيُّء، حتى تكون في متناول الملتعجين بالشهوة ،وغالبا ما يكون مدخل الحداثويين أولائك للحداثة هو الجسد وليس العقل إذ يُجهدون أنفسهم في مواجهة المنظومة الأخلاقية لا في ما هو بالٍ وتقليدي فحسب وإنما في ما هو جوهري وضروري لكل المجتمعات بدل أن يُجهدوا أنفسهم في عملية نقدية شجاعة ومسؤولة لتحقيق أقصى ما يمكن من درجات التحرر من أثقال الجهل والخرافة مما لا علاقة له لا بالوحي ولا بالوعي.

مازالت المرأة ـ وفي زمن الثورةـ محاصرة بين المحترسين والمفترسين والخطابان يلتقيان في نظرة لا تخرج عن كونها نظرة غرائزية” تُحركها الحسابات السياسية والمنافسات الانتخابية فلا ينظر أغلب الساسة للمرأة على أنها “إنسانٌ”، وإنما ينظرون إليها على أنها صَوتٌ انتخابي يسعون إلى كسبه بالتقرب إليه من خلال خطابٍ يظنونه جاذبا مُغريا حين يبالغون في الحديث عن مظلومية النساء وعن نقصٍ في التشريعاتِ الضامنة لحقوقهن ولكرامتهن.

لاشك بأن التشريعات كل التشريعات سواء ما تعلق منها بالمرأة أو بالمجتمع والدولة ـ تحتاج تحيينا وتطويرا بما يجعلها موائمة لتجدد قضايا الناس وتطور حياتهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم، ولكن يجب أن يكون ذاك التجديد التشريعي استجابة لمقتضيات الحياة وليس استجابة لمقتضيات السياسة وحسابات السياسيين وهو ما يُفرغ تلك التشريعات من روحها الثورية ومن قيمتها الإنسانية ومن ضرورتها العملية، وهو ما يجعل النساء أيضا يفقدن الثقة في شقائقهن الرجال حين يشعرن بأنهم يستعملونهن للدعاية السياسية وللواجهات الحزبية لا يختلفون في ذلك عن أصحاب المال يستعملونهن في الإشهار لتحقيق الربح وترويج البضائع.

كل ثورة تشريعية تحتاج أن تُسبق أو تتساوق مع ثورة ذهنية ونفسية أي ثورة في أعماق الذات حين يتحرر المواطنون رجالا ونساء من تصوراتهم التقليدية ومن عقدهم النفسية فينظرون إلى النساء وإلى الرجال وإلى الزواج وإلى الأسرة ضمن رؤية سوية للحياة وللإنسان وللمسؤولية وللحب وللسعادة بحيث تكون القوانين مجرد سند احتياطي يُرجع إليه لتسوية الخلافات حين تحصل وبحيث تنبني العلاقة أساسا على “المودة” و”الرحمة” وعلى نداءات “الإنسان” الكامن فينا وليس على إملاءات القانون الجاثم قُبالتنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق