الرئيسيثقافة

كتاب صحافة الصبيان.. حين ينفذ الخبر من بين ألغام الطغيان

وثقت سمارة القوتلي معاناة الصحفي المواطن ودوره في إيصال الصورة كاملة للعالم حول جرائم النظام السوري في الغوطة

 

من خلال دخان المباني المحترقة وصوت سقوط القذائف على الديار والأرصفة، ودماء الضحايا، من النساء والأطفال العزّل في ربوع سوريا، توثق الصحفية ومراسلة الحرب بقناة الجزيرة سمارة القوتلي، معاناة شعب عربي تطحنه النزاعات المسلحة منذ أكثر من 7 سنوات، سقط خلالها أكثر من 700 ألف ضحية واكثر من مليوني جريح، في سبيل الحرية.

 

يقدم كتاب “صحافة الصبيان”، والذي يصدر عن معهد الجزيرة للإعلام خلال الأيام القادمة،  في ذكرى بداية الثورة السورية، شهادة صحفية عانت ويلات الحرب في بلدها، وسابقت الموت لتنقل الخبر كما هو. لكنه  يقدم أيضا لمحة عن العمل الميداني للمواطن الصحفي في سوريا بشكل دقيق، من خلال تغطية سمارة القوتلي لأحداث الغوطة بالخصوص، ويبرز معاناة الاعلاميين والمضايقات التي يتعرضون لها في معركة مستمرة مع الموت كل يوم.

 

سمارة القوتلي.. تاريخ من تحدي الموت

لاحقت قوات النظام السوري الصحفية سمارة القوتلي منذ سنوات، حيث قامت باعتقال والدتها واختها الصغرى، بعد مداهمة الشرطة العسكرية منزلهم في مدينة دوما بريف دمشق، سنة 2015، حسب ما أورده موقع “مراسل سوري”.

بدأت سمارة مسيرتها صحفية مواطنة، حاولت رصد ما يمر به أهلها، جيرانها و أبناء مدينتها من معاناة وويلات في ظل الحرب المتواصلة. اعتادت ان ” تنفض الغبار عن وجهها وثيابها بعد القصف مباشرة، ترتب هندامها سريعا، تعتدل في وقفتها أمام الكاميرا وتعد التقرير” كما وصفها معهد الجزيرة للإعلام، والذي يصدر عنه كتاب سمارة الأول.

 

 

معاناة الصحفيين دائما غائبة، منسية، في سبيل نقل الصورة كاملة للمشاهد. يضحي الصحفي عادة بأشياء كثيرة، كوقته وراحته، لكن في سوريا و في مناطق النزاع، تكون التضحية بحياته هي الثمن الذي يقدمه أحيانا لقاء تغطية الخبر.

لم تتجاوز سمارة القوتلي 22 عاما عندما وجدت نفسها في ميدان الحرب، “تحمل الكاميرا كي لا يموت الناس في العتمة تحت قصف النظام السوري. وكغيرها من الصبية الذين بدأوا كناشطين وامتلكوا أدوات الصحافة، انخرطت في العمل الإعلامي دون خبرة أو دراية كافية. فالمناطق المحاصرة تخلو من صحفيي القنوات التلفزيونية العربية والأجنبية. وإذا كان النظام نجح في حصار مدن سورية، فإنه لم ينجح في حصار الصورة بفضل هؤلاء “الصبية” الذين تفوقوا في كثير من الأحيان على الصحفيين المحترفين.”

الجوع والخوف والألم من فقدان الأقارب والاصدقاء هو اليومي المعيش لكل القابعين تحت نيران الحرب في سوريا، لكن سمارة تقدم في كتابها، بطريقة صحفية ونفس انساني ذاتي، دون مساحيق التجميل اللغوية أو الأناقة الإخبارية، ما لم تنقله الكاميرا، عن التفاصيل الصغيرة، “كشجرة الليمون في الفناء، حبوب العلف، سلاح الباذنجانة ..” وغيرها من التفاصيل التي رسمت ملامح حياة كاملة لصحفية مواطنة تحولت إلى مراسلة حرب.

 

“كان (المؤذن) ينعى شابا وراء شاب بالاسم، امرأة وراء امرأة، رضيعة تلو رضيع. ظللت أحمل انقباضًا في صدري حتى انتهى الصوت الأجش. أصابني انقباض في صدري خوفًا من أن يقرأ اسم أمي أو أبي أو أي قريب في العائلة. أنتظر كما لو أنه سيرتل اسمي بعد قليل. فأحار إن كنت إنساناً حيًا أو ميتًا يمشي في جنازة نفسه”.”

كتاب صحافة الصبيان

اختفى الصحفي المحترف.. فظهر الصحفي المواطن

حوّلت الحواجز العسكرية التي فرضها جيش الأسد التنقل بين المدن السورية إلى “رحلة للموت قد تستغرق أياما” وتتطلب عبور 40 حاجزا من عسكر وقوات معارضة وميليشيات مسلحة. رغم ذلك تخوض سمارة القوتلي رفقة زملائها من الصحفيين والمسعفين وهيئات الإغاثة، حربا من نوع آخر، كي تستمر الجهود لصنع علامة فارقة، تنقلها سمارة في كتابها “صحافة الصبيان” بواسطة الكاميرا، لتمر المعلومة للعالم من تحت أنياب النظام، رغم محاولات التعتيم والتضليل والجهود الجبارة التي يبذلها الصحفيون لمواصلة عملهم.

 

 

تعتبر سمارة أن النظام السوري يشن حربا نفسية على المواطنين، ويحرض ضد الصحفي المواطن، الذي ظهر نتيجة اختفاء الصحفيين التقليديين إبان الحرب، ويواصل نقل الحقيقة في ظروف شبه مستحيلة على الانسان العادي ان يعمل بها.

رغم ذلك “يبقى الصحفي السوري من افضل ما انجبت الثورة السورية”، تقول سمارة، فعندما يعمل الصحفي دون كهرباء سوى ساعتين باليوم دون ماء او طعام أحيانا، تحت غبار القصف، فهو ينقل حينها الحدث المتوفر لديه، بكل بشاعته وتشوشاته وعفويته دون رتوش، هو ينقل همه ووجعه اليومي.

قصص كثيرة ينقلها الكتاب الذي وثقت فيه سمارة كل ما مر بحياتها من أحداث وأشخاص، من رحم الألم والواقع الحيّ، وكانت الكتابة هي المنقذ من النسيان  والشاهد على تجربة انسانية زاخرة، والصراع الدائر داخل كل صحفي في كل المواقف والأحداث عندما يستدعي انسانيته ومهنيته في نفس الوقت.

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد