ثقافة

غابرييلا ميسترال.. الشاعرة التي لم يترك لها الموت سوى الشعر

سلسلة شاعرات القرن العشرين

 

«ستكون الأرض أُماً كارهة

إذا تخلت روحك عن روحي

والماء سيرتعد في مجراه من فرط الألم

لقد أصبح العالم أكثر جمالاً

منذُ أن جعلتني لك،

ولكن عندما وقفنا صامتين قرب إحدى الشجيرات الشائكة

أصبح الحب كما الشوك يخزنا بعطره الفواح»

 

عندما يخفق قلبك بالحبّ لأوّل مرّة أو كأوّل مرّة، لا تفكري طويلا لقد علوت بالحبّ ولم تسقطي فيه، اهرعي إلى قصائد الشاعرة التشيلية غابرييلا ميسترال، افتحي تلك القصائد وكأنّك تفتحين الأبواب المغلقة منذ سنين.. تنقلي بين قصيدة وأخرى، تنفسي جيّدا ثم ابتسمي مطولا، فلحظة الحبّ قصيرة مهما طالت، احملي تابوتك على كتفيك وتقدمي خطوات وخطوات لا خوف عليك وقلبك عاشق.

نفتح اليوم سيرة شاعرة الحبّ غابرييلا ميسترال اسمها المستعار بعد أن غيرت اسمها الحقيقي لوسيلا غودوا أي الكاييفا، غابرييلا أو لوسيا، لا يهمّ.. إنّها امرأة استثنائية تمكن منها الحبّ والموت والوحدة، فتغلبت عليهم بالشعر لتصبح من أشهر شاعرات القرن العشرين.

ولدت غابيرلا في عائلة مثقفة وفقيرة يوم 7 أفريل 1889، لم تكن طفولتها سعيدة بعد أن هجر والدها المنزل وهي في سنّ الثالثة، فتحملت والدتها أعباء الأطفال والمنزل واشتغلت في مهن بسيطة من أجل إعالتهم. اكتفت غابيريلا بمرحلة الثانوية ثم اشتغلت بالتدريس من أجل مساعدة عائلتها الفقيرة، في سنة 1906 تعرفت إلى شاب مثقف “روميليو يوريتا” يشتغل بسكة الحديد  استمرت علاقتها به ثلاث سنوات وانتهت بانتحار حبيبها، بعد أن عانت من هجر والدها وترك العائلة بمفردها تواجه صعوبات الحياة.

 

 

فتح موت حبيبها جراحا عميقة في قلبها، فهرعت إلى الشعر تبث فيه وجعها وأحزانها ربّما كانت تقاوم هي الأخرى الموت بالشعر، تحدثت أغلب قصائدها في ديوان ” أناشيد الموت” الصادر في 1914 عن علاقتها بحبيبها إلى لحظة انتحاره وقد فازت عن هذا الديوان بالجائزة الكبرى في المسابقة الشعرية “ألعاب الزهر”  وكان الشاعر الشيلي مانويل ماغايانِس موري (1878–1924)، أحد أعضاء لجنة التحكيم.

الشاعرة الدبلوماسية

لم تستطع شاعرتنا كشف هويتها الحقيقية كشاعرة لعملها بالتدريس وأيضا لكونها عزباء. يعود هذا إلى طبيعة المجتمع التقليدي والمحافظ آنذاك فنشرت قصائدها باسم مستعار وهو غابرييلا ميسترال تكريما منها للشاعر الفرنسي “فريديرك ميسترال” والمسرحي والشاعرالإيطالي “غابرييل دي أنونزيو” وهي التي تأثرت بأعمالهما الشعرية كثيرا.

رغم فقرها تميّزت ميسترال في عملها بسلك التعليم إلى أن حظيت بمراتب متقدمة ومرموقة مما فتح الأبواب أمامها في المكسيك سنة 1923 والمشاركة من موقعها كمستشارة في إصلاح التعليم الريفي هناك، وبعد انقضاء عامين من عملها بالمكسيك تنقلت ميسترال في جولة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وعادت إلى التشيلي سنة 1925، كما قدمت محاضرات في عدّة جامعات في الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية، ومثلت بلدها وأمريكا اللاتينية في مؤسسة التعاون الفكري التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.

 

 

عرفت ميسترال بنشاطها الثقافي والنسوي والتعليمي وهو ما جعلها صاحبة سمعة جيّدة في الأوساط الرسمية وتحظى بالاحترام والتقدير ممّا مكنها من العمل في السلك الدبلوماسي بعدّة دول، وفي مدريد التقت مرّة أخرى بالشاعر بابلو نيرودا وهو الذي تعرف إليها في قريته أثناء عملها معلمة.

 

فضلها على نيرودا

اعترف بابلو نيرودا في مذكراته “أعترف بأنني عشت”، أنّ ميستال صاحبة الفضل عليه في اكتشافه للأدب الروسي والذي تأثر به كثيرا وانعكس هذا على أدبه الشخصي حسب رأي النقاد، جمعت بين نيرودا وميسترال بعض الرسائل أثناء عملهما بالسلك الدبلوماسي.

 

 

كتبت شاعرتنا عن الحبّ والأمومة من نظرة مختلفة وتقدمية رغم انتمائها إلى مجتمع تقليدي، وضمن قصائدها طالبت بحقّ كل أنثى في الأمومة وهي التي عاشت مواجع الفقد منذ صغرها واستمر إلى لحظة انتحار ابن شقيقها “ميغيل” سنة 1943، والذي كان بمثابة ابنها.

 

ولد، ولد، ولد، لقد أردتُ ولداً منك ومني،

في تلك الفترة من أيام سعادتنا الملتهبة

عندما كانت عظام جسدي يمكن أن ترتعد

لمجرد سماعي همسة منك

وأهدابي يمكن أن تحمر خجلاً

في حالة وجود أية غشاوة مشرقة.

 

قلت أريد ولداً كما الشجرة في فصل الربيع

حينما تمد أغصانها بشوق نحو السماء،

أريد ولداً ذا سحنة بريئة وفم يدلّ على القلق والتساؤل

بعينين واسعتين كأنهما بِلون الكريستال!

 

آمنت ميسترال  بقضايا بلدها التشيلي ووظفت شعرها من أجل المحرومين هناك كما دافعت عن هوية التشيلي الثقافية ضدّ هيمنة أمريكا الشمالية، أثر التزامها في إنتاجها الشعري فقد كانت صارمة جدّا في نشر قصائدها والتي كانت تدققها فلم تنشر سوى 379 قصيدة من 800 قصيدة تمّ اكتشافها بعد وفاتها، وصلت إلى المجد بإحرازها على جائزة نوبل للآداب سنة 1945 لتصبح أوّل امرأة من أمريكا اللاتينية تفوز بها رغم أنّ رصيدها ثلاثة كتب فقط وهما، أناشيد الموت 1914، وتالا سنة  1938 ولاغارا سنة 1953.

 

 

وبعد عامين من فوزها بجائزة نوبل منحتها جامعة ميلز في كاليفورنيا شهادة الدكتوراه الفخرية. ثم تمّ تكريمها بالجائزة الأدبية الوطنية في تشيلي عام 1951.

 

 

طفلة مُقعدةٌ

قالت: “كيف لي أن أرقص؟”

قلنا

دعي قلبَك يرقص.

ثم قال العاجز:

“كيف لي أن أغني؟”

قلنا

دع قلبك يغنّي.

ثم نطقت الشوكة الفقيرة الميتة،

“لكنْ أنا، كيف لي أن أرقص؟”

قلنا

دعي قلبك يطير إلى الريح.

ثم تكلم الربّ من علٍ:

“كيف أنزل من السماء الزرقاء؟”

قلنا

تعال ارقص لنا في النور.

 

لم يمهل الموت ميسترال لتتمتع كثيرا في آخر حياتها بما أنجزته في العالم، فأصيبت بسرطان البنكرياس والذي أدّى إلى وفاتها سنة 1957 بنيويورك، تمّ دفنها بموطنها التشيلي، ونقش على شاهد قبرها: “ما يقدّمه الفنان لبلاده يشبه ما تقدّمه روح الإنسان لجسده”.

 

 

قدّمت غابرييلا لوطنها  الكثير كما تقدّم الروح لجسد الإنسان، فقد التزمت بكلّ قضاياه وآمنت بشعبها شاركت من موقعها في دفع الحراك الثقافي والدفاع عن قضايا الإنسان والمرأة إضافة إلى دورها في إصلاح التعليم وخلدت اسمها عاليا في سماء الإبداع، امرأة تحدت الفقر فنجحت في مسيرتها العملية والعلمية وتحدّت الموت والوحدة لتصبح إحدى أهمّ الشاعرات في القرن العشرين.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.