مدونات

من إسطنبول إلى القاهرة متى تستقر الروح؟

قد تحاول اقتلاع أيًا ما يكون من ذاكرتك، شخوصًا، أحداثًا، أو وطنًا طمعًا في التخلص منه، ولكن ربما تظل علاماتها تبرز وجودها أكثر، ويصبح قلبك كآيا صوفيا، لا يقام فيه قداس ولا صلاة

 

لا أعرف أي أرضٍ ألقيتُ فيها رحالًا ذات يومٍ مستقر روحي، هنا أم هناك!

خلال عامين ونصف، قطعت الطريق من القاهرة إلى اسطنبول ومنها إلى القاهرة ثم إلى إسطنبول، حيث سكنتُ على الأقل سبع مرات..

في البداية، لما وطئت المدينة الحالمة للمرة الأولى مع أبي الراحل ألفتها! ولما رحل الرحيل الأصغر عائدًا إلى مصر، بدأت أستوحشُها جزءًا بينما كنتُ تدريجيًا قد بدأتُ أستوحش مصر كلَّا!

غادرتُ مصر وأنا أشعرُ أنها، وناسها، ومن كنت أعتبرهم خاصة القلب يلفظونني لفظًا لا قبول فيه ولا محبة، لفظًا موجعًا كأم ترفضُ رضيعها رفضًا لا صراخ كفيل بترقيق قلبها فيه.

بدأت أستوحش المدينة الجديدة جزءًا بعد رحيل أبي الأكبر، وأظن أنني كنتُ أستوحش العالم جملةً وحدث أن اسطنبول كانت أول ما جاء في طريقي فظلمتُ نفسي وظلمت المدينة!

 

بدأتُ أخرج من معملي على غير العادة أسير أملًا في أن تبتلعني بكل ما أحمل شوارع المدينة

 

ثم تهشم القلبُ مليون جزء، ثم حاولت لصقه جزافًا مرارًا، ثم أدركني العالم بقبحه الذي ظننت أنني أحمي نفسي منه خلف تحصني بالتركيز في شؤوني وإبقاء تواصلي معه إلى الحد الأدنى. ثم على بوابة ما في مطار امستردام، تفضي إلى طائرة حملتني بعدها بدقائق إلى ديترويت/الولايات المتحدة، جلست على الأرض وبكيت.

على الطائرة اتخذت أحد القرارات التي أنقذت روحي، ولكنني أيضًا على الجانب الآخر اختبرت للمرة الأولى الغضب! ولست أقصد ذاك الغضب الذي تنفث عنه بالصراخ ثم تهدأ، ولكنني لحظتها لم أستطع سوى التفكير في كسر جدار الطائرة والقذف بكل المضيفين السُمان في محاولةٍ بائسة لتحطيم الكوكب، أو أضعف الإيمان أن أكسر النافذة كي أبصق عليه من علٍ، ولكن ماذا يفعل البصاق في محيط!

 

لا أرى في (هذا الوطن)  سوى أضرحة أحلام تخرج منها أذرعة تنتزعها عنوةً من الصدور فيصبح الناس موتى أحياء

 

عدت إلى اسطنبول وحيدة كما غادرتها، لم أعترف لذاتي قبل يومها أن روحي تستقر ولو قدرًا على ساحل اوسكودار، بعد سفر دام ستا وثلاثين ساعة، لأن الطائرة هبطت اضطراريًا لأن إحداهن غابت عن الحياة، ابتسمت لما خرجت من نفق المترو ورأيت مرسى السفن.

بدأتُ أخرج من معملي على غير العادة أسير أملًا في أن تبتلعني بكل ما أحمل شوارع المدينة، ذهبتُ إلى الجامع،  والمعبد، والكنيسة، والكنيسة التي حولوها لجامع بينما ظلت آثار الصلبان المقتلعة من الحائط شاهدةً على وجودها الماضي هنا، ورسوم العذراء ظاهرةً، رغم محاولات محوها، فوق القبلة.

 

لا خلاص سوى طائرة تحملُ الروح لدوامةٍ أخرى من صراعات الغربة/الألفة/الوحشة/الاستقرار

 

قد تحاول اقتلاع أيًا ما يكون من ذاكرتك، شخوصًا، أحداثًا، نشأتك الأولى، أو وطنًا طمعًا في التخلص منه، ولكن ربما تظل علاماتها تبرز وجودها أكثر، ويصبح قلبك كآيا صوفيا، لا يقام فيه قداس ولا صلاة!

واليوم، بعدما ألفت المدينة، وأدركني الخذلان أكثر من المرة، وفقدتُ الإيمان، واختبرتُ الغضب، وحاولتُ التخفف، وحاولتُ التحليق، عدت!

لا أعرف هل استقرت روحي هناك، أم أن هنا الوطن الذي لم أنجح بعد في انتزاعه، ولكن لم أر بعد منه سوى المزيد من اللفظ والرفض، مهما ختنقت صراخًا لا يرق له، لا أرى فيه سوى أضرحة أحلام تخرج منها أذرعة تنتزعها عنوةً من الصدور فيصبح الناس موتى أحياء، بلا رغبات ولا تطلع.

ولا خلاص سوى طائرة تحملُ الروح لدوامةٍ أخرى من صراعات الغربة/الألفة/الوحشة/الاستقرار. وتتمثل لنا لعنة الضياع مجددًا في صورة جديدة، إما أن هذا العالم يكرهنا، أو أننا لسبب ما استحققنا العذاب..!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد