ثقافةغير مصنف

الوجه الصحفي لكوكب الشرق وعلاقتها بعبدالناصر.. حكايات من “مذكرات الآنسة أم كلثوم”

فن

 

 

هل تتخيل أن أول أجر تحصلت عليه كوكب الشرق أم كلثوم من حنجرتها الذهبية كان 6 قروش ونصف القرش صاغ ميري مصري؟، بالتأكيد سمعت ثومة لكنك لم تقرأ لها أو تعرف بعملها في الصحافة، كما أنك لم تغص في تفاصيل خلافها الشهير مع الشيخ زكريا أحمد والطريقة الطريفة التي انتهبى بها الخصام الذي دام 9 سنوات في محاكم القاهرة.

كل هذه الحكايات يحيلنا إليها كتاب “مذكرات الآنسة أم كلثوم ووثائق أخرى” الذي يجمع فيه الصحافي المصري محمد شعير ما تركته لنا الست عن أول 30 عاما في حياتها، نشرتها مجلة آخر ساعة على مدى ثماني حلقات في الفترة من نوفمبر 1937 وحتى يناير 1938 تحت عنوان ” مذكرات الآنسة أم كلثوم”.

حكاية المطربة الفلاحة

كعادة الناس في صعيد وريف مصر، لم تكن طفولة أم كلثوم بالطفولة الهنية المدللة، فوجدت نفسها وهي بعد لم تعد العاشرة وعلى كتفيها الصغيرتين عبء العمل والجهاد في سبيل الحياة وكسب الرزق لأسرتها الصغيرة التي تعيش بمركز طماي من قرية السمبلاوين في محافظة الدقهلية.

 

الطفلة أم كلثوم مع والدها

 

رغم ذيوع صيت شقيقها الشيخ خالد بقلب “مطرب العائلة” الذي يحيى الموالد والأفراح البلاد، لكن اكتشاف والدهم الشيخ إبراهيم السيد لصوتها المميز في ترنيم الأناشيد فتح الباب أمامها لشق طريقها في عالم الغناء.

بعد جولات فى قرى السنبلاوين، تحصلت ثومة على أو مبلغ من حنجرتها وكان عبارة عن روبية، وهي عملة هندية من الفضة كانت منتشرة في مصر أيام الحرب، وهي تساوي ستة قروس ونصف القرش بعملة الصاغ الميري، وذلك نظير إحيائها حفلة ساهرة في بندر السنبلاوين. لكن سرعان ما زاد أجرها بعد ذيوع صيتها وصل إلى حدود العشرة جنيهات في الليلة الواحدة.

 

 

أما الأجور في القاهرة فانتقلت بها نقلة أخرى، فالزيارة الأولى لها لمدينة المعز بمنطقة حلوان قبضت فيها 300 قرش أجرة غناء ومصاريف سفر ذهابا وإيابا لسمومة وأربعة معها، وقد بلغت مصاريف الطريق جنيهين وبقى جنيه واحد هو المبلغ الطائل الذي نالته أم كلثوم في حفلتها الأولى في مصر.

أم كلثوم.. من السيدة إلى الآنسة

تكشف المذكرات أن لقب آنسة لم يطلق على ثومة إلا بعد قدومها إلى القاهرة وعملها فيها، أما قبل ذلك كانت تعرف باسم السيدة أم كلثوم، حتى وهي لم تتخط السابعة من عمرها. فلقب السيدة من ألقاب الاحترام والتبجيل في ريف مصر، حيث لا يفرقون بينه وبين آنسة التفريق الذي يفهمه أهل الحضر.

 

 

ويرجع قرارها إلى نصيحة محمد بك زكي مدير مدارس الأوقاف سابقا الي أفهمها الفرق بين اللقبين واقترح عليها ان تلقب نفسها بـ” الآنسة أم كلثوم” ومن يومها أبدلت ثومة لقبها وجرى عى منوالها كثير من المطربات والممثلات فصر يعرفن بلقب  “الآنسة” حتى المتزوجات والسيدات منهن.

أم كلثوم الصحفية

لم تكن أم كلثوم موهوبة في الغناء فقط، بل امتدت ألمعيتها إلى صفحات الجرائد، فكانت تكتب مقالات رأي بين الحين والآخر، خصصتها للكتابة عن نواح مجهولة في حياة الست وبعض الطرائف التي تعرضت لها والشخصيات التي أثرت فيها.

وبحسب مصطفى أمين، مؤسس صحيفة أخبار اليوم، فالست امتلكت قدرات ذهنية وبلاغة وسرعة بديهة ما يؤهلها لتكون صحافية بارعة.

 

 

يقول أمين عن علاقة ثومة بالصحافة: “كانت غاضبة دائما في بدايات شهرتها الفنية لسيطرة الأجانب على الجرائد المصرية، وكانت تضطر للإعلان عن حفلاتها في جرائد يدير إعلاناتها أجانب، لذا ساهمت في تأسيس صحيفة أخبار اليوم بمبلغ قدره 18 ألف جنيه، وذلك لحرصها على استقلالية الصحافة عن المحتل البريطاني”.

وذكر أمين أن أم كلثوم بدأت كتابة أولى مقالاتها في العدد الثالث بصحيفة أخبار اليوم، التي تأسست في 1944، ثم تعدد مقالاتها في الصحف والمطبوعات الأخرى، رغم أنها كانت تخاف من الصحافيين وتهرب منهم.

 

أم كلثوم تحاور هيكل

اعتاد الجميع أن يرى كوكب الشرق على كرسي الضيف تتحدث عن أغانيها وكواليس علاقتها بفريق عملها ودورها الوطني، لكن هذه المرة ثومة تجلس على كرسي المحاور أمام الصحافي الأشهر في الوطن العربي محمد حسنين هيكل، الذي اعتاد مجالسة الرؤساء وكبار الدبلوماسيين.

نستعرض هنا أجزاء من المقابلة الفريدة بين صوت السماء والأستاذ التي دارت عبر إذاعة البرنامج العام، نشرتها كاملة في مجلة آخر ساعة عدد 6 سبتمبر 1967.

أريد أن أسأل عن مدى فاعلية الأمم المتحدة في قضايا الشعوب، وتحديدا قضية الأمة العربية؟

 

هيكل وأم كلثوم

 

بالنسبة لفاعلية الأمم المتحدة فإنها لا تزيد عن الفاعلية الأدبية والسياسية والقانونية سواء كان ذلك في قضايانا أو قضايا غيرنا في الشعوب، لأنه فيه النهاردة رأي عام يعبر عن نفسه في موضوع العدوان وأدان عملية احتلال الأراضي بالقوة. ولكن يبقى علينا وعلى غيرنا من الشعوب أنها قضايا تستطيع  أن نحترمها لحق له احترامه.

الحوار السياسي أضاء لنا للتعرف على فنان واع يكرس حياته لفنه وخدمة وطنه، فكان آخر أسئلة هيكل لها كيف صنعتي توافق بين السياسة والفن؟ فقالت: ليس لي دور سياسي.. ولكن يمكن دور مواطنة مصرية بتحب بلدها وبتعبر من خلال فنها عن وطنيتها.

 

أم كلثوم مع حسنين هيكل ونجيب محفوظ

ثومة وناصر

بدأت علاقة قيثارة الشرق بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر قبل ظهوره الرسمي في مجلس قيادة الثورة الذي أطاح بالملك فاروق الأول في يوليو 1952، بدأت قبلها بـ 4 سنوات حين التقت أبطال الفالوجا العائدين إلى القاهرة 1948.

تحكي عن أول لقاء في مقال حمل اسم “كيف عرفت عبدالناصر؟” نشرته في مجلة الهلال 1971: قدم لي قائد الكتيبة الضبع الأسود الضابط الشاب جمال عبدالناصر، وشددت على يده وأنا أصافحه وأتأمل ما يتألق في عينيه من بريق الوطنية، وحدة العزم، وعمق الإيمان”.

حظى عبدالناصر بمكانة خاصة عند أم كلثوم تجلت في غناء أناشيد له في أوقات المحنة، الأول الأغنية التي غنتها له بعد نجاته من حادث اغتيال  بالإسكندرية: أجمل أعيادنا الوطنية بنجاتك يوم المنشية.

أما الثانية فكانت بعد تنحيه من رئاسة مصر عقب نكسة 5 يونيو 1967، فكانت ترى أن تنحيه يعني فقدان الأمل في إطلالة هذا البصيص من الأمل.

 

أم كلثوم مع عبد الناصر

 

قم وأسمعها من أعماقي فأنا الشعب ابق فأنت السد الواقي لمنى الشعب

ابق فأنت الأمل الباقي لغد الشعب  ابق فأنت حبيب الشعب

عبدالناصر أيضا كان يقدر كوكب الشرق، ففي بدايات ثورة يوليو طلب سيد قطب بمحاكمة أم كلثوم لأنها غنت للملك، وقرر الضابط المشرف على الإذاعة منفردا وقف إذاعة أغانيها وطردها من منصب نقيب الموسيقيين، وهو ما تسبب في غضب عبدالناصر، فقال للضابط: “ما رأيك أن تهدموا الهرم الأكبر لأنه من العهد القديم”.

تروى الست أيضا في مقالاتها أن عبدالناصر كان يعتز بالحوار معها بين استراحة حفلاتها، للتأكيد على أن أهل الفن كتيبة عزيزة من كتائب المعرك ترسي دعائم الوحدة الشاملة. كما كانت تشعر بالفخر عندما يطلب الرئيس الراحل أغانيها قبل طرحها في الإذاعة على الجمهور.

هذه العلاقة ترجمت مشهد النهاية عند علمت ثومة بنبأ رحيل عبدالناصر: “رحت أصرخ, مصر، وطني بلدي، مصير بلدي، المعركة، ما المصير، يا رب.. لطفك يا رب”.

وثائق معركة أم كلثوم والشيخ زكريا أحمد

يتضمن كتاب “مذكرات الآنسة أم كلثوم” وثائق الخلاف الشديد الذي نقل أخبار ثومة وملحنها السابق الشيخ زكريا أحمد من صفحات الفن إلى أخبار الحوادث، حيث استمرت الدعاوى القضائية التى أقامها زكريا 9 سنوات يتبادلان الاتهامات.

هذا الخلاف جدد التساؤل في الأوساط الفنية: أيهما أهم اللحن أم الصوت؟ الموسيقى أم الأداء؟.

عرف الشيخ زكريا أم كلثوم وهي طفلة تشدو في حفلات قريتها طماي الزهايرة، وكان احد المحرضين لها على أن تترك قريتها وتتجه إلى القاهرة. فكان أول تعاون بينهما 1925 عندما لحن لها طقطوقة “اللى حبك يا هناه”.

كان زكريا يرى أن أم كلثوم “أسطى من خيرة أسطوات الفن وصائغة من أمهر صائغات الغناء.. إنها لا تقدم إلا الجيد ولا تختار إلا الجميل”.

 

أم كلثوم رفقة محمد القصبجي، فريد الأطرش، زكريا أحمد ورياض السنباطي

 

تعاون الثنائي في أكثر من 60 لحنا لا يشبه أحدهم الآخر، حتى وقع الانفصال في مارس 1951 بين الشيخ وقيثارة الشرق لمطالبته بحقه في ألحانه بعد أن عرض الموسيقار محمد عبدالوهاب تسجيل أغنياتها التي لم تتمكن من تسجيلها بسبب سنوات الحرب العالمية على أن تتقاضى 1000 حنيه عن كل لحن، بينما يتقاضى زكريا أحمد مائتي جنيه، وهو ما رفضه الأخير معتبرا أنه مساسا بكرامته.

وبعد خلافات دامت 9 سنوات في ساحة المحاكم بين أسطوات اللحن والصوت في مصر، عقدت جلسة النطيق بالحكم 25 يناير 1960 أصاب الساحة الفنية بخسارة فادحة، بحسب تعبير القاضي، وهو ما تأثر به الشيخ زكريا ليعقب: “ياحضرة القاضي لا الفلوس بتدوم ولا الشتمية بتلزق، ولا أستطيع الاستمرار في إجراءات تقاضي مع أعز فنانة إلى نفسي وإلى عشاق الأغنية العربية”. في المقابل قالت كوكب الشرق إنها تتمنى أن تكون هذه الخصومة سحابة صيف”.

وحسم القاضي الخلاف بتلحين الشيخ زكريا ثلاثة ألحان لأم كلثوم مقابل أن تدفع له 700 جنيه عن كل لحن، وفي اليوم التالي تصدر خبر الصلح صفحات الجرائد المصرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.