مجتمع

المساواة في الميراث: هل تشمل تداعيات التطبيق النفقة وتقاسم الأعباء الزوجية؟

مجتمع

 

تجمع فئة واسعة من المهتمين بالشأن العام والباحثين الأكادميين ونشطاء في المجتمع المدني أن الجدل الذي يثيره تطبيق مبدأ المساواة في الإرث لن يتوقف باستصدار نص جديد يحقق هذا المطلب معتبرين أن تداعيات تطبيق المساواة في المواريث تمتد إلى مختلف أحكام مجلة الأحوال الشخصية، ولا سيما منها المتعلقة بالنفقة والتساوي في الحقوق والواجبات بين الزوجين، ما قد يطرح إشكالات عديدة في تطبيق النص.

 

ويقول القاضي أحمد الرحموني في هذا الصدد  إن سحر المساواة (في مفهومها الغربي) قد يحجب أن المساواة ليست بالضرورة “مساواة حسابية” وأن نظام التوريث الذي تبناه “القانون التونسي” لم يكن ليدوم إن لم يحقق معنى العدالة “المتوازنة” في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة.

القاضي أحمد الرحموني

ويرى الرحموني أن الرافضين لتغيير نظام التوريث الحالي ليسوا بالضرورة ضد المساواة بين الرجل والمرأة أو مبادئ حقوق الإنسان الكونية أو مقتضيات الدولة المدنية أو مساواة المواطنين والمواطنات أمام القانون طبق ما ينص عليه الدستور، كما  أن إدعاء الحداثة لا يرتبط حتما بدعوة مجردة إلى المساواة في الميراث بين الرجال والنساء، حسب تأكيده لمجلة “ميم”.

ويشدد القاضي الرحموني على أن إقرار مبدأ المساواة في النصاب القانوني بين الذكر والأنثى بدلا عن قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين” (ذات المصدر الشرعي) لن يؤدي إلى تعديل “منظومة المواريث الشرعية” بل سيؤثر في وجود نظام متكامل للميراث تم تطبيقه على امتداد 15 قرنا تقريبا.

 

 

أحمد الرحموني: الرافضون لتغيير نظام التوريث الحالي ليسوا بالضرورة ضد المساواة بين الرجل والمرأة أو مبادئ حقوق الإنسان الكونية أو مقتضيات الدولة المدنية.

 

ويستوجب إقرار التغيير الجوهري على نظام التوريث الحالي (المستمد من أحكام الميراث السني المالكي)  وفق الرحموني اقتراح بديل جديد عن “منظومة المواريث الشرعية” وما يترتب عن ذلك من تغيير في بعض الأحكام الواردة بقانون الأحوال الشخصية (الالتزامات بين الزوجين – النفقات..الخ) لافتا إلى أنّ الأخذ بمبدأ المساواة بين الجنسين في الحصص الإرثية بمعزل عن إعادة النظر في الحقوق والواجبات المقررة لهما سيؤدي إلى اختلال في التوازن الأسري الذي يساهم في تحقيقه نظام التوريث الحالي.

توسيع الاستشارة المجتمعية

ولتجنب الصدمة المجتمعية لمبدأ إقرار المساواة في الميراث، يطالب حقوقيون بدور أكبر للمجتمع المدني كشريك فاعل في القرار والنقاش صلب اللجنة المكلفة بإعداد المبادرة التشريعية التي دعا اليها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بمناسبة عيد المرأة في 13 أوت/ أغسطس الماضي.

زهير بن يوسف

ويقول عضو الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والباحث في التاريخ المعاصر زهير بن يوسف، إن السلطة التنفيذية اعتمدت مبدأ الهرم المقلوب في تهيئة الأرضية المجتمعية لتنفيذ مبادرة المساواة في الميراث، معتبرا أن الدور الأكبر يجب أن يكون للمجتمع المدني وليس للسلطة التنفيذية.

ويرى بن يوسف في تصريح لمجلة “ميم” أن حضور المجتمع المدني في الوضع الحالي يقتصر على التزكية في الوقت الذي كان يفترض أن يوفر الحاضنة الشعبية والمجتمعية التي تمهد لأي قرار أو تغيير تختلف فيه القراءات والتأويلات بين النص الشرعي والنص المدني.

ويعلّق الباحث في التاريخ زهير بن يوسف: “المساواة في الإرث ليست مستجدا في المجتمع التونسي”، مستندا في قوله إلى وثيقة أحباس تقر التساوي في الميراث بين الجنسين.

 

زهير بن يوسف: التغيير في نظام الموريث يجب أن يكون متبوعا بتغيير فصول مجلة الأحوال الشخصية، نظرا لترابط الملكية وتأثير الأنصبة في علاقة المرأة بالرجل وبتحمل أعباء الإنفاق الأسري.

 

ولفت بن يوسف إلى أن عديد الأحباس في تونس كانت تمكن المرأة من التمتع بمثل مناب الرجل في الإرث إذا كانت خالية من الروابط الزوجية (عزباء أو أرملة) طبقا لنظام الوصية، مؤكدا أن التغيير في نظام الموريث يجب أن يكون متبوعا بتغيير فصول مجلة الأحوال الشخصية، نظرا لترابط الملكية وتأثير الأنصبة في علاقة المرأة بالرجل وبتحمل أعباء الإنفاق الأسري.

وأوضح المتحدث أن التحديث القسري يقابله إشكال التغيير التام في مجلة الأحوال الشخصية، معتبرا أن اعتماد نظام التخيير على غرار اشتراك الأزواج في الملكية هو الأسلم، باعتبار أن هذا الطرح يجمع بين حقوق الإنسان، والمقصد القرآني يسمح بطمأنة الضمير، وفق تعبير بن يوسف.

 

وثيقة أحباس تقر التساوي في الميراث بين الجنسين

 

ويرجح عضو لجنة إعداد مقترح نص المساواة في الميراث صلاح الدين الجورشي استمرار الجدل حول هذا الموضوع وتوسعه في الأشهر القادمة، معتبرا أن السنة الحالية ستكون سنة الحسم في هذا الموضوع، وفي مسائل أخرى لا تقل أهمية، وتتعلق بالحريات الفردية وبالمساواة بين الجنسين.

ويعتبر الجورشي أن الانقسام الاجتماعي بشأن مسألة الميراث ناتجة عن جعل بعض الأطراف لهذا الملف  فرصةً لاستفزاز

صلاح الدين الجورشي

المشاعر الدينية لعموم المواطنين برفع شعارات تحرف آية قرآنية تتعلق بالميراث.

ويقول الجورشي في تصريح لمجلة “ميم” إن الأسلوب الاستفزازي في تناول المسألة مضارّه أكبر بكثير من المنافع التي يتصور هؤلاء أنها ستتحقق عبر إقصاء الدين من المجالين، الاجتماعي والقانوني مؤكدا أن للاسلام  حضور قوي ومؤثر في أوساط التونسيين، ولا يمكن إنجاز إصلاحات دائمة وعميقة، لها صلة بالأحوال الشخصية، إلا من خلال قراءة مستنيرة للنصوص الدينية، تستند إلى نظرية التفاعل بين المصالح والمقاصد.

 

صلاح الدين الجورشي: الأسلوب الاستفزازي في تناول المسألة مضارّه أكبر بكثير من المنافع التي يتصور هؤلاء أنها ستتحقق عبر إقصاء الدين

 

وفي المقابل، يعتقد رجال قانون كثيرون أن تهيئة الرأي العام وإشراكه في المراحل الانتقالية والإصلاحية الكبرى من شروط بناء الثقة، وتوفير ضمان أساسي لديمومة تلك التشريعات.

جدير بالذكر أنّ تونس من أكثر الدول العربية تطورا في مجال تشريعات حقوق المرأة، فقد رفعت في 2017 منعا عن التونسية المسلمة من التزوج بغير المسلم. كما ألغت قانونا كان يسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب إذا تزوج ضحيته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد