مجتمع

الزوجة المعلقة.. زنزانة مظلمة يمتلك مفاتيحها الزوج فقط

مجتمع

 

رشا أبو جلال- فلسطين- مجلة ميم

روَت ميرفت تجربتها الزوجية المريرة مع زوجها والتي كان يتخللها أعمال عنف ضدها. كانت ترغب في أن تمنح طفليها، حنان (أربعة أعوام) ورائد (سبعة أعوام) حياة في ظل أبويهما، حتى قرر زوجها إنهاء هذه العلاقة الزوجية بإرسالها إلى بيت أهلها دون تطليقها.

 

وأضافت ميرفت لمجلة “ميم”: “زوجي لا يرغب بإعادتي إلى منزل الزوجية، ولا يرغب بتطليقي أيضاً. هو يريدني معلقة بلا زواج أو طلاق حتى أتنازل عن حقوقي الشرعية كاملةً بذريعة أنه لا يملك سدادها”.

وأشارت ميرفت إلى أن حقوقها عند الطلاق عديدة، أهمها: المهر المؤخر ويبلغ 3000 دينار أردني، بالإضافة إلى (عفش البيت) والذي يبلغ أيضاً 3000 دينار أردني أخرى. (1 دولار أمريكي = 0.7 دينار أردني)

وشددت على أنها لا يمكنها التنازل عن حقوقها القانونية والشرعية من أجل الحصول على الطلاق، وقالت: “هذه الحقوق خصصها الشرع للمرأة عند طلاقها من أجل مساعدتها على بدء حياة جديدة، من خلال فتح مشروع صغير يعيلها، أو لإكمال دراستها الجامعية”.

والفتاة عبد المحسن هي نموذج لقضية “المعلقات” وهن النساء اللواتي يعيدهن أزواجهن إلى منزل والدهن بقصد الانفصال، ولكن دون تطليقهن للتهرب من المستحقات المالية المترتبة على الطلاق، ليعشن أقسى تجربة قد تستمر لعدة سنوات يتم خلالها حرمانها من حقوق أخرى مثل بدء حياة جديدة أو الزواج من آخر، دون وجود قانون رادع.

وتحدثت مجلة “ميم” مع زوج ميرفت ويدعى “ياسر” وهو عاطل عن العمل، حيث برر عدم منح زوجته الطلاق بسوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية في ظل ارتفاع نسبة البطالة والفقر في القطاع وتدني فرص العثور على عمل، الأمر الذي يجعل من مسألة منح زوجته حقوقها المالية أمراً خارج قدرته.

ويعيش سكان قطاع غزة في ظروف اقتصادية مأساوية، في ظل وصول نسبة البطالة إلى 46.6%، فيما وصلت نسبة الفقر إلى 65%، كما يعتمد 80% من سكان غزة، على المساعدات الغذائية التي تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) كمصدر رئيس للحصول على الغذاء.

وقال ياسر لمجلة “ميم”: “حياتي الزوجية مع ميرفت منتهية، ولكن لا استطيع منحها الطلاق قبل التنازل عن حقوقها المالية، لأنه في حال طلقتها دون أن تتنازل عن حقوقها فيمكنها مطالبتي بدفع أموالاً طائلة، وفي حال لم أدفع يمكنها سجني متى ما أرادت وهذا ما أحاول عدم توريط نفسي به”.

رغم خياره بالإبقاء على زوجته معلقة دون تطليقها، إلا أن ياسر لم يتردد بالزواج من أخرى ودفع تكاليف الزواج الثاني كاملةً، الأمر الذي يثبت أن تدهور الأوضاع المعيشية ما هي إلا ذريعة يتذرع بها العديد من الأزواج لعدم منح الزوجات حقوقهن بعد الطلاق.

خسارة نصف الحقوق

ولدى الفتاة مرام غريب (28 عاماً) التي تزوجت قبل 4 سنوات، قصة مشابهة، إذ تقول لمجلة “ميم” إنها عادت إلى منزل والدها تاركةً زوجها بكامل إرادتها بسبب إدمانه حبوب الاترمادول المخدرة وإيداعه السجن ثلاثة مرات، الأمر الذي جعل حياتهما الزوجية جحيماً لا يطاق، وهو ما أدى إلى طلبها الطلاق.

وأضافت مرام، أن الإدمان حوّل زوجها إلى وحش مفترس يمتهن ضربها كل يوم في حال أخفت عنه المال الذي يستخدمه لشراء المخدرات، مشيرةً إلى أن زوجها رفض تطليقها وإبقائها “معلقة” على مدار عامين ونصف، حتى قامت برفع دعوى (تفريق للضرر من الشقاق والنزاع) ضد زوجها، وهي دعوى قضائية تتيح مجالاً أمام المرأة طلب الطلاق أمام قاضٍ شرعي حتى في حال رفض الزوج.

وبيّنت أن القاضي يتعامل مع هذه القضية بمنح المرأة الطلاق إذا أثبتت تعرضها للضرر من علاقتها الزوجية، فيما لا يمنحها كامل حقوقها الشرعية كمطلقة بسبب مبادرتها هي بالطلاق، حيث يحق للقاضي تقدير مقدار الحقوق التي ستحصل عليها التي عادةً ما تكون النصف.

وقالت مرام: “رغم أن هذا القانون يمنح المرأة حقاً في طلب الطلاق، إلا أنه لم ينصفها بسبب عدم منحها كامل حقوقها الشرعية كمطلقة، ولكن بالنسبة إلى امرأة شاهدت الويلات من زوجها مثلي، فإنني قبلت خسارة جزء من حقوقي في سبيل نيل حريتي وعدم البقاء معلقة مجهولة المصير”.

 

تسريح بإحسان

ويقول رئيس محكمة الاستئناف الشرعية الشيخ عمر نوفل، لمجلة “ميم” إن الزوجة المعلقة هي التي تقيم في بيت أهلها بنية الانفصال عن زوجها، ولكنها باقية على ذمته.

وأكد نوفل أن تعليق الزوجة نهى عنه الإسلام، امتثالاً لقول الله تعالى في سورة النساء (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا).

وذكر بقول الله تعالى في سورة البقرة (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، معرباً عن أسفه حيال عدم اتباع معظم الأزواج للقواعد الدينية التي تضبط العلاقة الزوجية.

وأضاف نوفل: “يهدف معظم الأزواج من خلال تعليق زوجاتهن دون منحهن الطلاق، إلى دفعهن للتنازل عن حقوقهن، ولكن القانون يجيز للمرأة طلب الطلاق من خلال رفع دعوى (تفريق للضرر من الشقاق والنزاع) ضد زوجها، وفي حال كسبتها فإنها ستحصل على جزء من حقوقها فقط وليس كاملها”.

خلل قانوني

ولكن مدير عام طاقم شؤون المرأة سريدا حسين، تقول لمجلة “ميم”: “إن المجتمع الفلسطيني هو مجتمع ذكوري بطبعه، وهذا يعني أن القوانين المعمول بها في قضايا الفصل بين الزوجين، تتناسب مع احتياجات الذكور أكثر من احتياجات الإناث”.

سريدا حسين

وأضافت حسين: “حتى في الحالات القانونية التي تتيح للمرأة فرصة الحصول على الطلاق بناء على رغبتها مثل (دعوى تفريق للضرر من الشقاق والنزاع)، فإن إجراءات التقاضي تحتوي على العديد من الشروط التعجيزية أمام النساء الراغبات بالحصول على الطلاق للتخلص من كونها معلقة بقرار من زوجها”.

وأوضحت أن المحكمة تطلب من المرأة التي تريد الطلاق من زوجها، مبرر قوي مثل تعرضها للضرب المستمر من قبل زوجها، وفي حال توفر المبرر فإن المحكمة تطلب شهوداً على ذلك، وهذا ما لا يمكن للكثير من النساء إثباته خاصة وأن حالات تعرضهن للعنف تحدث داخل منزل الزوجية الأمر الذي يصعب توفير شهود”.

ولفتت حسين النظر إلى أنه حتى وإن استطاعت المرأة التي تريد الطلاق تجاوز كافة الشروط، فإن إجراءات التقاضي تتم ببطء شديد، فيما يتم تأجيل جلسات المحكمة عدة مرات ولفترات متباعدة، ما يتسبب بتكبيد الزوجة المزيد من الأضرار المادية والنفسية أبرز مظاهرها دفع المزيد من الأموال للمحامين.

تأثيرات نفسية سلبية

من ناحيته، يقول الخبير الاجتماعي من قطاع غزة زهير ملاخة، لمجلة “ميم”: “إن تعليق الزوجة وعدم منحها الطلاق، من شأنه تعطيلها عن ممارسة حياتها الطبيعية والزواج من آخر، الأمر الذي قد يتسبب بخلق أزمات نفسية لها، ستؤثر على سلوكياتها ودخولها في صدمات نفسية نتيجة عيشها في سجن يمتلك مفاتيحه الزوج”.

زهير ملاخة

وأوضح ملاخة أن هناك عدة أسباب وراء “تعليق الزوجة”، السبب الأبرز بينها هو دفع المرأة للتخلي عن حقوقها بعد الطلاق، ولكن ثمة أزواج يلجئون إلى تعليق زوجاتهن في حال طلبن الطلاق، لأشهر عديدة، من أجل منحهن فرصة للتفكير مرة أخرى في العلاقة الزوجية وعدم التسرع في الطلاق في إطار المحافظة على رباط الأسرة وعدم تشتيت الأولاد.

وأضاف: “ثمة مثل شعبي يقول (مائة أمير ما بطلق زوجة فقير)، وهو مثل يدلل على القوة والحصانة التي يتمتع بهما الزوج في مسألة ولايته على الزوجة، التي يسيء استخدامها البعض لتحطيم حياة زوجاتهن أو لإجبارهن على التنازل عن حقوقهن”.

ولفت ملاخة إلى أن المشاكل النفسية التي قد تصيب الزوجة نتيجة تعليقها، ستؤدي بطبيعة الحال إلى انتقالها إلى الأبناء، الأمر الذي يعني تحطيم الأسرة بسبب عدم وجود أي إطار قانوني أو مجتمعي يحمي المرأة المعلقة من سطوة الزوج.

أمّا سريدا حسين، فهي ترى أن ثمة خطوات يجب فعلها من أجل حماية حقوق المرأة المعلقة، إذ تطالب الجهاز القضائي الشرعي في فلسطين، بضرورة تسهيل إجراءات التقاضي للمرأة وتسريع البت في قضاياها، وتخصيص محاكم متخصصة للنظر في قضايا النساء المعلقات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.