مجتمع

كيف نعالج العنف في ملاعبنا؟

مجتمع

 

ارتبطت عقلية الجمهور الرياضي بمبدأ الفوز ثم الفوز مهما كلف الأمر. فخلّف ذلك ظاهرة اجتاحت ملاعبنا وباتت مشكلا يهدد رياضتنا وهي ظاهرة العنف في الملاعب.

هذه الظاهرة الدخيلة على عالمنا العربي ظهرت لأول مرة بالملاعب الأوروبية مع “الهوليغانز” وهم مجموعات مشجعين لفرق كرة قدم، نشأت في بريطانيا وانتشرت عبر العالم. تتبنى هذه المجموعات منهجا عنيفا في تشجيع فرقها يصل إلى الاعتداء الجسدي، وقد تركت ممارساتها جراحا غائرة في الذاكرة الكروية، بسبب سقوط عشرات القتلى والجرحى في أحداث مختلفة كان ضحيتها اما الحكم أو مشجعي الفريق المنافس.

وانتقلت هذه العدوى إلى الملاعب العربية مكونة جمهورا غاضبا يشبه كتلة نار ملتهبة تبحث عن عشب سريع الاشتعال.

تواريخ سوداء

يوم 18 نوفمبر 2009، ملحمة أم درمان بالسودان، شهدت أحداث عنف بين المنتخبين المصري والجزائري ضمن المباراة الحاسمة للتأهل لنهائيات كأس العالم في جنوب أفريقيا، و كانت وصمة عار على جبين كرة القدم العربية.

 

 

وفي  أبريل/أفريل 2016 ،قامت السلطات المغربية  بحل حركة الألتراس إثر أحداث الشغب التي اندلعت في الرباط والدار البيضاء ومدن أخرى، بعد أن تسببت في سقوط قتلى وجرحى، إلى جانب أعمال تخريب واسعة في الممتلكات العمومية.

 

 

نعود الى مصر تحديدا في أبريل/أفريل 2011 مع المباراة التي جمعت الزمالك المصري بالنادي الإفريقي التونسي في إطار لقاءات العودة بالدور الـ 32 من بطولة دوري رابطة الأبطال الإفريقي. حيث عشنا أحداثًا مؤسفة في الدقائق الأخيرة من اللقاء، بعدما نزل إلى أرض الملعب مجموعة من مشجعي الفريقين وبدأت الاشتباكات العنيفة بين اللاعبين والجماهير.

 

 

ويبقى يوم الأربعاء 1 فبراير/فيفري 2012، تاريخا أسودا لكرة القدم المصرية عقب مباراة نادي الأهلي والمصري البورسعيد في بطولة الدوري العام، التي أسفرت عن مقتل 74 شخصا من جماهير الأهلي.

 واستمرت أحداث الشغب لأيام اثر اللقاء بعد أن تحولت الى مواجهات عنيفة بين الشرطة و”الألتراس” في شارع محمد محمود. واثر تلك الوقائع  أصدرت محكمة النقض المصرية حكماً نهائياً بإعدام 11 شخصاً في تلك القضية.

 

 

في أغسطس/أوت 2014 توفي اللاعب الكاميروني ألبرت إيبوسي، الذي يلعب في نادي شبيبة القبائل الجزائري، عقب نهاية لقاء فريقه شبيبة القبايل مع نادي اتحاد العاصمة في ملعب أول نوفمبر بمدينة تيزي وزو شرق الجزائر. وذلك بعد أن تلقى ضربة على الرأس بواسطة حجر طائش ألقاه مناصرون غاضبون على خلفية هزيمة نادي شبيبة القبائل.

 

 

أشكال مختلفة للعنف

تختلف درجات وأشكال العنف في الملاعب، وتبدأ من العنف اللفظي من خلال “أغاني “الألتراس أو الفيراج” الحماسية التي تتضمن عبارات نابية وشتائم للفريق المنافس.  إضافة إلى يطلق عليه “بالدخلة” التي تحمل شعارات تمس بسمعة الأندية وتهدد أحيانا أمن البلد.

وتنتقل الى العنف الجسدي من خلال تخريب الممتلكات العامة، وإتلاف المنشآت الرياضية، وإشعال النيران “بالشماريخ” والاعتداء على الأشخاص بالضرب، وقد تصل حتى للقتل.

وهناك العنف الذي يمارسه المناصرون فيما بينهم، فيتحولون من مشجعين إلى أعداء يتبادلون السب والشتم والضرب والكسر.

كما نجد العنف المتبادل بين اللاعبين أثناء المباراة حيث يعمد بعض اللاعبين إلى الخشونة والعدوانية في اللعب بسبب عدم تقبل النتيجة أو بسبب عدم انصاف الحكم لهم.

وكنوع ثالث، نجد العنف بين المشجعين و فرقهم بسبب الخسارة  فيعمدون إلى رشق اللاعبين بالحجارة والقوارير والزجاجات. 

ويوجد كذلك العنف بين الجمهور ورجال الأمن والذي يتسبب بدوره في سقوط جرحى وقتلى.

لم كل هذا العنف؟

يطول الحديث في العوامل المنتجة للسلوكات العدوانية المحيطة بمباريات كرة القدم، ويمكن فيها للاحصاء النفسيين وعلماء الاجتماع ان يدلوا بدلوهم. ولكن بشيء من الإيجاز، يمكننا حوصلة الأسباب المفرزة للعنف في الملاعب في النقاط التالية:

1- غياب الوعي

للأسف، ينجرف بعض الشباب من الجمهور وراء تعصبهم وحماسهم الزائد لفرقهم، لذلك يرفضون الهزيمة ولا يدركون أن كرة القدم لعبة فيها الرابح والخاسر.

ونفس الشيء بالنسبة للاعبين، وهو تعبير عفوي عن الغريزة وردة فعل إزاء الإحباط الناتج عن الخسارة، ينتج عنه فقدان السيطرة والتحكم في الأعصاب.

زد على ذلك حالة الفراغ الثقافي والمعرفي الذي يعيشه قطاع كبير من هؤلاء المشجعين الذين باتوا يستمدون معنى أساسيا لوجودهم من تشجيع فريق من فرق كرة القدم، فينظمون الأغاني الحماسية ويرددونها ويتبارون في اقتناء رموز الفريق وينتظرون المقابلات على احر من الجمر، فيدخلون في حالة نفسية من التوتر والترقب الحاد تنفجر عنفا وعدوانية اذا هزم الفريق الذي ينتمون اليه ويتماهون معه، وأحيانا حتى اذا انتصر، فحالة التأهب هذه ارض خصبة للانفعالات المرضية وردود الفعل المفرطة. انها حالة من التوتر النفسي تبحث لها عن متنفس في اي من الاتجاهين: فرحا اوسخطا على حد سواء.

2- للإعلام يد في العنف

بعض المنابر الإعلامية قد تساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في إشعال نار الفتنة بين الفرق والمنتخبات. تجدها تتحدث عن لقاء حاسم وكأنها تتحدث عن حرب ضروس بين أمتين متعاديتين، وليس مباراة بين فريقين تدوم ساعة ونصف.. اضافة الى  فتح المجال لمسيري الفرق أو المحللين الرياضيين لكيل الاتهامات من هنا وهناك بلغة سوقية احيانا، بحثا عن نسب مشاهدة عالية ودون التفكير في ما قد ينتج عن عملية التحريض هذه اذا التقى الفريقان.

3- سوء إدارة التحكيم

بعض الأخطاء التحكيمية والقرارات الارتجالية للحكام تؤثر سلبيا على نفسية اللاعبين والجماهير، وتؤدي إلى تفجير مشاعر الغضب والحنق التي تترجم عنفا واحتجاجات.

وهذا راجع إما لضعف أداء الحَكَم وسوء إدارته للقاء، أو انحيازه لفريق دون آخر قصدا أو عن غير قصد.

4-ضعف الوسائل الأمنية

بسبب ضعف الإمكانيات المادية لبعض البلدان العربية، تفتقر الملاعب للوسائل الأمنية مثل كاميرات المراقبة والتفتيش، ناهيك عن الاكتظاظ الخانق الذي يزيد من توتر الجمهور.

كيف نقاوم العنف في ملاعبنا؟

 لا بد أولا من توعية الشباب  بضرورة  تشجيع فرقهم  باعتماد سلوك حضاري، فلا تعارض بين قدم التمدن والتحمس لفريق رياضي. هذا يقتضي التحلي بالنضج، فالمنافسة تعني الخسارة كما تعني الربح، وكما يقال “يوم لك ويوم عليك”.

ينبغي على الاعلام أيضا الالتزام بسلوك مسؤول وعدم استغلال انفعالات الناس وحماستهم لتحقيق الانتشار بانتهازية وتهور واستخفاف بالعواقب. كل هذا من شانه ان يصفي الأجواء ويخفف من حدة التنافس العدواني ويشيع الروح الرياضية.  

الالتراس أيضا مطالبة بان ترتقي بسلوكياتها وتقدم نموذجا للجمهور الرياضي من خلال نشر ثقافة التسامح وتقبل الخسارة بكل تحضر ورقي.

وان حدث واندلعت احداث شغب فينبغي معاقبة كل من يتسبب فيها ولا يتورع عن ممارسة العنف، من خلال تطبيق القانون. مثلا ينبغي سحب بطاقة الانخراط من كل المناصرين  المتسببين في العنف واقصاء اللاعبين المشاغبين لفترة معينة عن الملاعب.

يجب أيضا إلزام تطبيق الفرق لدفتر شروط  تقدمه الدولة خاص بنبذ العنف  والسلوكيات العدوانية.

علاوة على معاقبة الحكام الذين ينتهكون شرف مهنتهم وميثاقها ينحازون لفريق معين .

ينبغي أيضا ان يتحلى الجميع بروح المسؤولية ويضع المشجعون أيديهم بايدي رجال الأمن الذين تقع على كواهلهم مهمة حفظ الأمن لتسهيل عملهم وتمكينهم من تطويق المشاغبات وعزلها وإخمادها في بدايتها قبل ان تستفحل وتهدد الأرواح والممتلكات.

الوسوم

مروى وشير

صحفية متخصصة في الإعلام الرياضي والفن

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.