مجتمع

قوارب الموت: عبور إلى حياة أخرى

لو تأملنا أغاني الراب التي تعبّر عن هموم فئة شباب اليوم والفنّ الأكثر انتشارا في صفوفهم سنجد أنّ الحرقة أي الهجرة غير الشرعية من أهمّ طموحاتهم إن لم يكن طموحهم الوحيد

 

“نخمم بالحرقة في بالي زعمة نحرق ولا لا عايش في الدنيا زوالي والدمعة سيّالة ” أغنية راب للمغني التونسي  بلطي حققت انتشارا كبيرا خارج تونس وفي أوساط الشباب الحالم بالخروج من بلدانهم التي لم تقدّم لهم شيئا سوى البطالة وإرتفاع غلاء المعيشة.

لو تأملنا أغاني الراب التي تعبّر عن هموم فئة شباب اليوم والفنّ الأكثر انتشارا في صفوفهم سنجد أنّ الحرقة أي الهجرة غير الشرعية من أهمّ طموحاتهم إن لم يكن طموحهم الوحيد.

لطالما كانت الحرقة حلما لشباب الأحياء الشعبية الذين لم ينجحوا في دراستهم ولكنّ إنضم إليهم اليوم فئات أخرى من المجتمع التونسي، أصحاب شهائد عليا ونساء وأطفال وعائلات أيضا تباينت ظروفهم الاجتماعية ولكنّهم اتفقوا على أنّ الحرقة هي الحلّ.

لم يتغيّر الأمر كثيرا عن سنوات ما قبل الثورة إذ مازالت الحرقة إحدى الحلول للهروب من دولة تعيش مصاعب الإنتقال الديمقراطي وتعاني من أزمة اقتصادية خانقة أثرت بشكل مباشر على الدينار التونسي الذي تهاوت قيمته في مستويات لم يحدث أن وصل لها سابقا.

بعد شهرين فقط من سقوط النظام القديم تحدثت بعض الأرقام عن عشرين ألفا من التونسيين الذين اجتازوا الحدود البحرية  خلسة وإلى اليوم مازالت الهجرة غير الشرعية متواصلة، إذ كشف تقرير جمعية رصد المتوسط حول الهجرة السرية عن إرتفاع عدد المهاجرين غير الشرعيين بالسنة الماضية حوالي 400 بالمئة.

 

 

كيف لشخص عاش طويلا على أرض ثابتة وآمنة  لا تشكو من زلازل أو كوارث طبيعية يعيش وضعا مستقرا  أن يغامر ويقامر بحياته على مركب مزدحم وفي ظروف غير مضمونة على بحر متحول، هادئ أحيانا ومضطرب أحيانا أخرى، هذا الشخص ليس براكب الأمواج الذي تتناقل القنوات مغامراته   بل هو راكب الأحلام الذي ترك ماضيه وكلّ ما يملك ورائه من أجل حياة أخرى إن سلم من الموت في رحلته الخطيرة هذه، راكب أحلام لا يثير موته ضجة كبرى.

هل أصبحت الحياة اليوم قابلة للمراهنة مثلها مثل بقيّة الأملاك، مثل المال والسيارة والبيت يقامر بها المقامر  في الكازينو من أجل أرباح مضاعفة أو خسارة مهينة؟

لا مجال لخسارات مؤقتة في عرض البحر إنّها خسارات نهائية ومفجعة لا مجال لإصلاح هذا الخطأ.. هل أصبح الخروج من هنا أمرا يستحق هذه المغامرة المهينة؟

لماذا يهرب التونسي بإختلاف فئاته وشرائحه الاجتماعية من دولة تعتبر اليوم الأكثر ديمقراطية في المنطقة؟

كيف يمكن لعائلة أن تشدّ الرحال من أرض إلى أرض أخرى غريبة عنها؟ لقد أصبحت إيطاليا وأوروبا الأرض  الموعودة والمليئة بالخيرات، عليها يمكن أن يحقق التونسي حلمه في الرفاه والعيش، رغم يقينه أنّ الأمر ليس سهلا حسب شهادات كثيرة تناقلتها الألسن، ولكنّ الأمر يستحق المخاطرة للخروج من هنا..

في مفارقة غريبة جدّا أصبحت المستعمرات القديمة التي نهبها الإستعمار الأوروبي جحيما لأهلها، مقابل نعيم دول الإستعمار القديم.. ربّما ينسى التونسي أو الجزائري  الماضي وجرائم فرنسا في حق الشعبين التونسي والجزائري.. المقايضة صعبة “سأنسى الماضي مقابل حاضر جديد”، حاضر خارج الأرض يقي من شرّ الفقر والبطالة في أوطان لم تهب مواطنيها سوى الجنسية..

تداخلت أسباب الهجرة اليوم بتداخل فئاتها المستهدفة من أطفال وعائلات وأصحاب شهائد عليا، فليس الفقر أكثر الأسباب، بل علينا أن نعيد قراءة هذه المعضلة اليوم ونبتعد عن مقولات الوطنية والإنتماء التي تهاوت في صفوف هذه الفئات الجديدة ولم تعد أمرا ذا قيمة، ربما أمكننا من خلاله مواجهة الهجرة غير الشرعية وإقناع المواطن بالإصلاح الجماعي والمشاركة في التضحية وبناء الوطن..

كيف يمكن أن نشعر بالإنتماء  إلى وطن حكومته لم تر في المواطنين سوى جيوبا لملء خزينتها الفارغة، حكومة تستعين بنموذج الجباية في دولة البايات؟ ألم تتعلم حكومة اليوم من دروس حكومات الأمس وتعلم أنّ الجباية الثقيلة وتفقير شعبها أمر لن يزيد إلا من غضب شعبها منها وإنسلاخه عنها.

إنّ الهجرة غير الشرعية من الواقع المعيش اليوم إحالة مباشرة على تحديّات المستقبل وقراءة في الحاضر، فرغم ما حققته تونس نسبيا على مستوى الحريات مازالت تعيش تحت إرث فساد ثقيل جعل المواطن يؤمن رغم مرور سبع سنوات أنّ الدولة وهيبتها لا تفعل شيئا سوى إلحاق الضرر به اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا..

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.