مجتمع

جـــــــولة في عالم الأرواح الإفريقية

مجتمع

 

اعتقد الإنسان منذ القدم بفكرة وجود الأرواح في عالم الأحياء، ترافقه في عالم مواز في الحياة التي يعيشها ويتواصل معها، تحميه من الشرور، وتشفيه من الأمراض أو تنتقم له من أعداءه، غذت هذه الثقافة الديانات سواء كانت وثنية أم سماوية، فقد استطاع  الإنسان من خلالها التغطية عن ضعفه وبعث الأمل حتى ولو كان موهوما في حياته.

اختلفت طرق التواصل مع الأرواح عبر طقوس محددة وتختلف حسب كلّ حضارة من أجل استدعاء أرواح الأسلاف التي يمكنها أن تمنح القوّة والسلام لأحفادها. يمكننا القول أنّ فكرة ” أرواح الأسلاف” التي يستحضرها الأحفاد هي أول الأشكال البدائية من التديّن قبل وجود الأديان وقبل أن يؤمن الإنسان بفكرة الإله الواحد، فالاعتقاد بوجود كائن خفي له قوّة خارقة على تغيير الأمور هو في حقيقة الأمر اعتقاد ديني في أولى مراحله.

وعلى غرار الحضارات القديمة، آمن الإنسان بالقارة الإفريقية بقوّة الأرواح وقدرتها على تسيير عالم البشر، فوجدت ديانة “الفودو” وتعرف مدينة “كويدا” بجمهورية  بنين بأنّها أحد أهمّ مراكز هذه الديانة والطريف أنّها انتقلت إلى أجزاء من الولايات المتحدة الأمريكية وانتشر هذا المذهب بهايتي وجزر الكاريبي كما أنّه منتشر في بعض الدول مثل البرازيل التي انتقلت إليها عن طريق بعض العبيد الأفارقة وتسمى هناك ب “كاندومبل”.  

 

 

الفودو  مشتقة من الفودون وتعني الروح  ويطلق على أتباعها بالفودويون أي خادمي الأرواح، ويقول عنها علماء الأنثربولوجيا أنّها تعود إلى ألاف السنوات عرف الأوروبيون هذه الديانة إثر تغلغل الاستعمار وتجارة العبيد بإفريقيا، فحاول المستعمر أن يزيح هذه المعتقدات الإفريقية وتفتيت روابط الانتماء إلى بلدانهم الأصلية ولكنه لم ينجح في هذا فكان الفودو إلى جانب البلوز والجاز آليات مقاومة  للإنسان الأسود ضد هيمنة وغطرسة الرجل الأبيض.

“أنا وأنت لسنا إلا جزء صغير من واحد كبير ننتمي له هو الكون“، هذه عقيدة الفودو التي تؤمن أنّ ما يصيبك من شرّ أو من خير هو من تأثير أجزاء صغيرة على الكون الكبير فتلك الأرواح التي غادرت عالمنا لها القوة الكاملة التي يمكنها أن تؤثر على عالم الأحياء.

يستحضر أتباع ديانة “الفودو” الأرواح لطلب المشورة منها أو للحماية وذلك لاعتقادهم بوجودهم في العالم اللامرئي الذي يفصله الموت عن عالمهم المرئي ويسعى أتباع هذه الديانة إلى إرضاء أرواح الموتى حتى لا تغضب عليهم أوتصيبهم بلعنة دائمة.

كما يقع نقل النحس للأعداء عن طريق طقوس غريبة استعمال ” التمائم” والدمى يقع وخزها بإبر في جوّ حماسي إذ يردد أتباع الفودو بعض الأناشيد المعينة، علما وأنّ المصريين  من الفئات الشعبية مازالوا إلى يستعملون هذه الدمى المصنوعة من الورق ووخزها لإبعاد الحسد ثم إحراقها.

 

 

من الطرائف المرتبطة بهذه الدمية صنع عروس على شاكلة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي  كتب عليها “اغرب عن وجهي أيها القذر “وبيعها صحبة كتيب صغيرعليه تعاليم الفودو وذلك لإلحاق اللعنة به.  

يطلق البعض على “الفودو” أنّه سحر أسود إذ يمكن لأيّ شخص من أتباع  هذه الديانة أن يلحق الأذى بأيّ شخص يرغب في الانتقام منه فبعد أن يتم  صنع هذه الدمية يضاف لها شيء من شعر أو أظافر الضحية ثم يقع وخز الدمية بالإبر ليتحكم بها ويصل الانتقام أحيانا إلى القتل حسب معتقداتهم. ويمارس الإفريقيون طقوس الفودو من أجل دعم فرقهم الكروية في التظاهرات العالمية.

سنفتح قوسا صغيرا لماذا يطلق  البعض على الفودو بالسحر الأسود، لقد ارتبطت الديانات القديمة بالسحر، والذي كان يعني الحكمة آنذاك فلا يمكن الإتصال بالالهة إلا عن طريق التعاويذ السحرية إننا نتحدث عن مزج الطقوس السحرية بالطقوس الدينية ومازالت هذه الطقوس متوارثة في هذه الديانة إلى اليوم دون أن تفصل بين الطقس السحري والديني.   

تقام  طقوس “ الفودو” في أجواء احتفالية رقص وغناء، فهذه الديانة تتطلب من الجسد أن يكون في وضع حركة التي توصله إلى الخشوع  أي سهولة التواصل مع أرواح الأجداد فالجسد المتحرك هنا يروي أصوله الإفريقية والتي يمكن أن نقرأها بكل سهولة.

 

 

يؤمن أتباع الفودو باستحضار أرواح الأجداد وهذا يعني أنّهم في موقف ذهني من القدسي وطقوسهم هي موقف عملي في هذا السياق يقول فراس السواح في كتابه “الأسطورة والمعنى ” : فمن خلال أداء حركات معينة ورقصات إيقاعية مع صيغ كلامية ذات أثر خاص على النفوس، يمكن للأفراد المستغرقين في الأداء الطقسي الجمعي الانتقال إلى مستويات غير اعتيادية للوعي، يشعرون معها بتلاشي الحدود بين العوالم الدنيوية والعوالم القدسية.  

لعبت المعتقدات الدينية لأتباع الفودو في تثبيت وترسيخ  أسطورة استحضار الأرواح فمن خلال هذه الحركات الجسدية يمكن ربط الصلة مع العوالم القدسية غير المرئية.

مازال الفودو يحظى إلى اليوم بفضول الإنسان الحديث رغم الثورة التكنولوجية ويلجأ إليه البعض الراغب في تحقيق بعض المكاسب رغم تحريم الأديان السماوية للسحر ورغم الثورة التكنولوجية التي نعيشها وهو ما يعزز القول بأنّ الإنسان سليل الأسطورة لا يمكنه أن يتخلى عنها بل هي جزء من تفكيره وهو ما يفتح الأبواب حول أسئلة كثيرة تعنى بالجانب الروحاني للإنسان الذي يحاول الكثير شطبه وإلغاءه.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد