مدونات

الدراما التركية إذ تحتجب عن فضاء MBC

يبدو أن السياسة السعودية الحالية في التعاطي مع تركيا ومناوءة تأثيرها في العقل العربي بات شعارها: "أشبعناهم شتماً وفازوا بالإبل"!.

 

من الصعب أن نعدّ قرار مجموعة MBC السعودية وقف عرض المسلسلات التركية على قنواتها جاء متماشياً مع سياسة الانفتاح العشوائية التي تتبناها المملكة برعاية ولي العهد محمد بن سلمان، لأن ذلك الانفتاح تضمن كسر كثير مما كان يعدّ محرماً في سياسة المملكة كالحفلات الغنائية المختلطة وقيادة المرأة للسيارة، ونحو ذلك.

مثلما أن القرار لا يمكن قراءته استناداً إلى التبرير الذي ساقته المجموعة بالقول إنه جاء لتحفيز إنتاج الدراما العربية والخليجية، فقنوات المحطة تعجّ بمختلف أنواع الدراما غير العربية، وقيل إنها ستعوّض النقص الذي سيحدثه غياب الدراما التركية بأخرى مكسيكية وبرازيلية!

وقد كان يمكن الابتهاج بالقرار لو أنه انطلق مثلاً من استشعار المحطة السعودية خطورة بعض المضامين التي تطرحها الدراما التركية، لاسيما ذلك النوع الذي تبثه قنواتها، أي الدراما التي تعتمد الإثارة وتحريك الغرائز، وبث مضامين لا تتسق مع ضوابط الشريعة الإسلامية وأعراف المجتمعات العربية، لكن محطة MBC منذ نشأتها لا تتخير لمشاهدها إلا ما يناقض قيمه الأساسية، ويغرق في الإثارة، وصناعة البريق الجاذب للمشاهدين.

 

من العسير الاقتناع بأن هناك نهضة فنية تنتظر الدراما العربية والخليجية بعد القرار الأخير، لأن هذه الدراما تمضي في مسار منحدر فنياً منذ سنوات عديدة، وليس أدل على ذلك من ضعف جاذبيتها وانحسار أعداد متابعيها وفقر محتواها

 

ومنذ أن توسّعت تقنية البث عبر الإنترنت اكتشف المشاهد العربي الذي كان أسيراً لقنوات MBC أن في الدراما التركية جانباً آخر لم تطلعه عليه المحطة السعودية وزميلاتها في السياسة الإعلامية مثل القنوات الإماراتية وبعض اللبنانية، فهنالك أعمال درامية ضخمة ذات مضامين جادة، ولها ملايين المتابعين أيضا، وتبث رسائل قيمية وتعبوية في اتجاهات عديدة، لكنها محجوبة عن الإعلام التلفزيوني التقليدي الذي تتزعم السعودية والإمارات تمويله والتحكم في توجهاته.

لكن تلك الأعمال نجحت في اختراق الفضاء العربي وكان لها جمهورها العريض أيضا، الذي لا يقل حجماً واهتماماً عن ذلك الجمهور الذي مسّه الهوس الدرامي عند بداية قنوات MBC عرض المسلسلات التركية المدبلجة قبل أكثر من عشر سنوات، مع فارق أن متابعي الدراما الجادة والتاريخية يشاهدونها مترجمة لا مدبلجة وهو ما يجسر الهوة الثقافية أكثر بين الجمهورين العربي والتركي.

مثلما أن الخلفيات السياسية للقرار واضحة، وتعبر عن قرارات كيدية عشوائية ومتخبطة، ويكمن خلفه موقف تركيا من الأزمة الخليجية، وقلق السعودية من تنامي التأثير التركي في الأوساط العربية، واعتقادها بأن تركيا تسعى لوراثتها في زعامة العالم الإسلامي، فإن القرار الأخير، ومع محدودية أثره على تركيا، فإنه يعكس تلك الحيرة التي تهيمن على صناع القرار في المملكة في محاولاتهم مجاراة تركيا في نهضتها وصعودها.

ولا بأس حين تتعذر تلك المجاراة بتجريب خيار صدّ التأثير التركي، ولو على نطاق حجب مسلسلاتها عن القنوات التي تمولها السعودية مقابل فتح الباب أمام خيارات درامية أخرى، دون الاهتمام بمضامينها، لأن ما يبدو مهماً بالنسبة للسعودية في حربها الخفية على التمدد الثقافي التركي في الأوساط العربية أن تأسر العقل العربي بأنماط درامية مثيرة أخرى مستجلبة من دول جديدة.

لكن المملكة تتغافل عن كون تأثر العرب بتركيا وانجذابهم لثقافتها لم يكن ناشئاً عن الدراما التي تنتجها والتي ضختها MBC بكثافة في الفضاء العربي على مدى عشر سنوات، بل كان ناتجاً في جانبه الأبرز عن استشعار جوانب التلاقي بين العرب والأتراك في الهويتين الدينية والثقافية، والإعجاب بنهضة تركيا وتفوقها وتطورها المتسارع، ولا تمثل الدراما سوى جانب واحد من جوانب ذلك التفوق.

من العسير الاقتناع بأن هناك نهضة فنية تنتظر الدراما العربية والخليجية بعد القرار الأخير، لأن هذه الدراما تمضي في مسار منحدر فنياً منذ سنوات عديدة، وليس أدل على ذلك من ضعف جاذبيتها وانحسار أعداد متابعيها وفقر محتواها، باستثناء تلك المستنسخة عن قصص غربية، ويكفي أن نطالع جدول الأعمال الدرامية العربية التلفزيونية لشهر رمضان كل عام لإدراك ذلك.

ولكن يبدو أن السياسة السعودية الحالية في التعاطي مع تركيا ومناوءة تأثيرها في العقل العربي بات شعارها: “أشبعناهم شتماً وفازوا بالإبل”!.

الوسوم

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.