مجتمع

أجبان باجة تحفظ قرنا من ذاكرة الإيطاليين

مجتمع

 

منذ أكثر من قرن، تحفظ مدينة باجة شمال غربي تونس العاصمة، ذاكرة الإيطاليين الذين استوطنوا في المنطقة وجلبوا إليها أحد أشهر الصناعات التي تحافظ عليها المنطقة إلى اليوم، وهي صناعة الأجبان المستخرجة من حليب الأغنام.

 

عندما استقر المزارعون الإيطاليون في محافظة باجة، أسسوا  لصناعة أجبان محلية رفيعة على غرار الجبن السيسيلي وبالبرماجيانو، وغيرها من الأصناف ذات الصيت العالمي التي تزين أشهر الأطباق الإيطالية.

ولا تزال مدينة باجة تحفظ إلى اليوم ذاكرة مرور الايطاليين بحاراتها عبر صناعة الأجبان التي توارثتها عائلات فى المنطقة ولا تزال تحافظ على طابعها التقليدي وسلالات الأغنام التي تدر الحليب المستعمل في هذه المنتجات.

وتعد حارة الإيطاليين “أو حدرة الطلاين” كما تسمى محليا شاهدة على مرور الإيطاليين والمالطيين بالمنطقة حيث تتسم هذه الحارة ببنايات ذات طابع معماري أوروبي ومصانع صغيرة كانت تستغل في صناعة الأجبان وحفظها على الطريقة التقليدية .

ومن أجل أجبان جيدة جلب الإيطاليون معهم أغنامًا من سلالة  فريدة تسمّى”صقلّي سردي”، لإنتاج الحليب الذي تصنع منه أنواع تلك الأجبان الفاخرة.

تسمّى السلالة “صقلّي سردي”، نسبة إلى جزيرتي صقلّية في إيطاليا، وسردينيا في جنوب فرنسا، وقد واجهت الانقراض في باجة مع بداية هذا القرن، إلا أن تمسك المهنيين الذين حافظوا على صناعة الأجبان الإيطالية التقليدية مثل سدّا منيعا أمام انقراضها .

وتحتكر عائلات بن يوسف والمغراوي والريابني صناعة الأجبان، ومنهم من يحافظ عليها منذ أكثر من 100 عام، وفق ما يرويه المصنّع والمربي زياد بن يوسف لمجلة “ميم”.

صناعة بيولوجية

ويقول زياد بن يوسف (53 عامًا) الذي يدير مصنعا تقليديا للأجبان في منطقة “الرويقيبة” بمحافظة باجة إنه ورث الصناعة عن أجداده وهو يمثل الجيل الرابع من عائلة بن يوسف ذات الأصول التركية التي استقرت في مدينة باجة وحفظت أصول صناعة الأجبان التقليدية.

ويؤكد زياد الذي يدير المشروع بمساعدة زوجته عاتقة بن يوسف أن هذه الصناعة مهددة بالاندثار، غير أن رغبة من يتشبثون بها تحول دون ذلك، مشيرا إلى أن المحافظة على قطعان أغنام السردي الصقلي تعد من أكبر الصعوبات التي تواجه المصنعين.

 

 

وللمحافظة على القطيع قال زياد إنه كوّن تعاونية زراعية مع عدد من فلاحي المنطقة وتمكنوا من إنشاء مجمع للحليب ما ساهم في خلق العديد من مواطن الرزق.

وثمّن المتحدث مجهود المزارعين، مشيرا إلى أن صغار المربين يزودونه يوميا بكميات حليب الأغنام المجمعة أين يسهر مع زوجته عاتقة إلى تحويلها إلى أكثر من 4 أصناف من الأجبان وياغرط طبيعي .

وبفضل هذا التعاونيّة انتشرت تربية الأغنام بين صغار الفلاحين، وأمكن تطوير قطيعها ليصل اليوم، حسب محدّثنا، إلى ثمانية آلاف رأس غنم “صقلّي سردي”، وأمكن أيضا لابن يوسف افتتاح مطعم سياحي على ربوة “الرويقيبة”، يحمل اسم “برج للاّ”، احتفاء بما قدمته إحدى جدّاته في المحافظة على تربية هذه الأغنام، وعدم التفريط بها رغم الأزمات.

وتتميز الأجبان التقليدية بحسب عاتقة بن يوسف بالاعتماد بنسبة 100 بالمائة على المواد الطبيعية وعدم استعمال المنكهات والمواد الحافظة، فضلا عن استعمال المواد الطبيعية في تطهير المعدات التي تصنع فيها الأجبان.

وتعتبر عاتقة أنه ليس من السهل المحافظة على الجانب التقليدي والطبيعي في هذه الصناعة، غير أن الإقبال الذي تعرفه منتجاتهم تدفعهم للمكابدة من أجل الإبقاء على المشروع وتطويره، خاصة وأن المصنع مكنهم من تحويل المشغل والضيعة المحيطة به إلى مطعهم ومنتج سياحي ريفي، بات قبلة للوفود الأجنبية التي تبحث عن منتجات سياحية في قلب الريف.

 

 

ويقدّم مطعم برج للا، أنواع “الأجبان الصقليّة”، ويمكن مشاهدة قطعان الأغنام من شرفة المطعم وهي ترعى، إضافة إلى عمليّة حلبها، وصولا إلى مراحل صناعة الأجبان، التي يمكن متابعتها عبر حاجز زجاجي  في الورشة المخصصة لذلك، والتي يشرف عليها عدد من الفنيين المختصين في هذه الصناعة البيولوجيّة.

ويمكّن المشروع المحترفين والزائرين من تذوّق الأجبان للتعرف إلى جودتها، والتمييز بين مختلف أنواعها، والتي نذكر من أهمّها الجبن الصقلّي، والصقلّي المطبوخ، والصفصاف، والقوتة، والموتزاريلا، أما أسعارها فتتراوح بين 14 دينارا (5 دولارات)، و30 دينارا تونسيّا ( 12 دولارًا)،  للكيلوغرام الواحد

اهتمام إيطالي

ولا يزال الإيطاليون، رغم رحيلهم عن مدينة باجة منذ نحو 60 عاما، يسعون لتثبيت بصماتهم في المنطقة، حيث تقوم جمعيات إيطالية بتقديم الدعم الفني والمالي لمصنعي الأجبان، زيادة على برامج توأمة من أجل تبادل الخبرات، بحسب زياد بن يوسف.

ومقابل الاهتمام الإيطالي، يقول بن يوسف إن وزارتي الزراعة والسياحة التونسيتين لا تقدمان أي دعم لمشروعه، مؤكدا أنه تمكن من المحافظة على المشغل وتأمين ما لا يقل عن 8 فرص عمل قارة بفضل إصراره على المحافظة على هذا الموروث وتثمين منتجات الريف وتنميتها، مشددا على أن برامج التنمية الريفية التي تتحدث عنها الحكومة يجب أن تنطلق من تثمين منتجات كل منطقة ريفية حسب خصوصياتها.

باجة قبلة الأجبان

ويأمل زياد بن يوسف أن تقوم وزارة الثقافة بتسجيل صناعة الأجبان الإيطالية التقليدية ضمن الموروث اللامادي، مشيرا إلى أن حفظ الذاكرة هو مسؤولية جماعية تتحمل فيها الدولة القسم الأكبر نظرا لامتلاكها الوسائل القانونية لتسجيل المنتجات التقليدية وحفظ ذاكرة المهن والمدن المهددة بالاندثار.

 

 

ويوجد في مدينة باجة نحو 20 محلًّا لبيع الأجبان ومشتقاتها، يتوافد عليها الحرفيون لاقتناء هذه المادة حسب أذواقهم وقدراتهم الشرائية، حيث تتناول بعض الفئات الجبن الصّقلّي، رغم ارتفاع سعره، في حين تتناول فئات أخرى الأجبان المصنوعة من حليب الأبقار لانخفاض سعرها، واعتدال دسامتها.

ويعد الجبن مكونا رئيسا في العادات الغذائية في مدينة باجة، حيث تستعمل مشتقاته في أطباق عديدة، وهو ما ساهم بقسط كبيرة في التعريف بفوائد الأجبان، وبالتالي الحفاظ على هذا الموروث الصناعي، أما تطويره فيرتبط أساسا بمدى قدرة المصنّعين على ترويج هذه المادة الغذائية خارج حدود البلاد، لارتفاع جودتها وانخفاض كلفتها مقارنة بأسعارها العالمية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق