دين وحياة

معاني ودلالات الجسد في القرآن

سلسلة الإسلام والجسد

 

تبيّنا في المقالة السابقة بعض ملامح مفهوم “الجسد” في القرآن، وكيف عبّر القرآن الكريم عن تصوراته في بعض الثقافات، إضافة لتباين التفسيرات في تحديد الدلالة المقصودة، وقد كان للإسرائيليات أثر في توجيه معاني بعض المفسرين، الأمر الذي يستلزم تنخيل بعض الأقوال التفسيرية لتبيين المقصود، وسيتأكد هذا الأمر ويتجلى أكثر في هذه المقالة.

 

فلنتمم ما استأنفاه من بيان بعض المعاني والدلالات المتعلقة بالجسد؛

2- الجسد محل الاستخلاف والتأنيس[1]:

قال سبحانه في سورة الأنبياء: “وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين” [الأنبياء:-78].

وفي الآية تأكيد لبشرية الرسل، والمعنى أن الله لم يجعل الرسل ملائكة، بل جعلهم أجسادا مثل محمد صلى الله عليه وسلم يأكلون الطعام، فنرى هنا أن الجسد أطلق على ما فيه روح، فمن يؤمن بالرسل الآخرين موسى وعيسى وأيوب ودواد وسليمان وجب عليه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه بشر مثلهم إلا أنه يوحى إليه، قال تعالى: “وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق” [الفرقان:20] أي قد كانوا بشرا من البشر يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئا[2].

ونلحظ أن الجسد في الآية محل الاستخلاف وأعلى درجات الاستخلاف هي المتمثلة في الأنبياء، حيث كان يتعجب أن يكونوا بشرا جسدا؛ فقد كان المخيال يرفض أن يكون الواسطةُ بين الإله والإنسان إنساناً، فنفى الله ذلك بأن أكد أن طبيعة الرسل في التاريخ الإنساني بشر من جسد يأكلون الطعام وما هم بخالدين، وهنا يتبين لنا أن من خصائص الجسد الفناء لا البقاء.

 

عرف التعامل مع الجسد مواقف متطرفة من بني إسرائيل، تارة بتأليهه وتارة بشيطنته، إلا أن كلا الموقفين المتطرفين لا ينسجمان والتصور القرآني

 

فإذا كان تحديد الجسد في اللغة الاشتداد[3]، فإن هذا الاشتداد إلى زوال، والجسد إلى فناء، ومن هنا نعرف أن ما يتحدد بالبصر يفنى، بخلاف ما يتقرر بالنظر، ومن ثمّ، كان النظر أحد أوامر الإسلام، وكان الجسد مجرد محل للاستخلاف من أجل الارتقاء، فالجسد يسجد لله ولا يسجد له من دون الله.

 

3-  الجسد بين قصد الإنابة والتدنيس:

قال تعالى: “ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب” [ص:34]

لا يخرج مدلول الجسد في الآية عن معناه القرآني العام، إلا أنه إذا تأملنا الأدبيات التفسيرية سنجد عددا من الإسرائيليات ارتبطت بتفسير هذه الآية، نظرا لوجود روايات في الكتب الأخرى عن قصة سليمان عليه السلام، وقد فسر الجسد في الآية بالشيطان كما سنجد عند الطبري والرازي وابن كثير وهو قول أكثر أهل التفسير كما ذكر القرطبي[4]، أو قول الجمهور كما قال ابن الجوزي[5]، ونسبه ابن كثير لابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم[6]

يقول الطبري مثلا: “ولقد ابتلينا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا شيطانا متمثلا بإنسان”[7]، وسبب هذه الفتنة تشترك عند كثير من المفسرين في فتنة سليمان بامرأة، فكانت المرأة هنا محلا للفتنة وسليمان عليه السلام هو المفتون، وفي روايات أخرى يقال إن الجسد ولد ولد سليمان، وقيل هو ولده وقيل هو كاتبه وقيل: إن الجسد كان سليمان نفسه، وذلك أنه مرض مرضا شديدا حتى صار جسدا، وقد يوصف به المريض المضنى فيقال: كالجسد الملقى[8].

وقد انتقد الفخر الرازي والقرطبي وغيرهما أن المقصود بالجسد الشيطان، كما ذهب لذلك أكثر أهل التفسير، لمخالفته قواعد القرآن، ومنه أن الشيطان لا يتشبه بالأنبياء[9] ولا يتصور بصورتهم[10]، فمثل هذه الروايات “لا تليق بمقام النبوة”[11]، ويوضح بطلانه قوله تعالى: “إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين“، واعتراف الشيطان بذلك في قوله: “إلا عبادك منهم المخلصين[12].

ومن ثمة، فإن التعامل مع الجسد عرف مواقف متطرفة من بني إسرائيل، تارة بتأليهه وتارة بشيطنته، إلا أن كلا الموقفين المتطرفين لا ينسجمان والتصور القرآني، فإذا كان القرآن نفى التصور الأول لأنه كان واقعا لدى قوم موسى، فإن نفي القول الثاني الموجود في الأدبيات التفسيرية يكون لنفس العلة وهي نقد الفهوم التوراتية التي وجهت آراء بعض المفسرين، ومنها موقف الشيطنة من الجسد المذكور في الآية والذي لا يتلاءم والتصور القرآني للجسد الإنساني.

ومن هنا تنتفي معاني التدنيس التي ألصقت بالجسد في بعض مناحي الثقافة الإسلامية، إذ إن الجسد الإنساني محل استخلاف، لذلك كان بين التقديس والتدنيس مرتبة وسط وهي “التأنيس”؛ فالجسد ليس محلا للتقديس بل العبادة، كما جاء نفي ذلك في آيتي الأعراف وطه، كما أنه ليس محلا للتدنيس بل  للاستخلاف، كما جاء في آية الأنبياء.

ومن هنا ينتقد قول بعض المفسرين بأن الجسد المقصود في آية “ص” هو الشيطان متأثرة بما جاء في الإسرائيليات، وفشوّ هذا القول في الأدبيات التفسيرية لا يمنع من نقد هذه المقولات التفسيرية التي تتعارض مع قواعد القرآن وأصوله، ومن هذه الأصول منزلة النبوة وعصمتها في هذا الشق التبليغي، وإذا كان الشيطان ممنوعا عن المخلصين “إلا عبادك المخلصين” فمن باب أولى النبيئين الذي يمثلون أعلى درجة عباد الله المخلصين، كما أن الدخول في غمار هذا التأويل سيجعل سبب فتنة سليمان المرأة، وهذا يرسخ أن المرأة سبب الفتنة والابتلاء وهو مخالف أيضا للنهج القرآني في التعامل مع المرأة.

 

يتبع,,,

[1] – التأنيس في هذا السياق نسبة للإنسان.

[2] – ينظر: تفسير القرآن العظيم، 5/247.

[3] – إذا رجعنا إلى معاجم اللغة سنجد أن مادة “جسد” تدل على معنى تجمع الشيء واشتداده، ومن ذلك جسد الإنسان كما جاء مع ابن فارس (معجم مقاييس اللغة).  وقال الخليل رحمه الله: لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه (معجم العين)، ويزيد الراغب الأصفهاني الجسد ما له لون والجسم يقال لما لا يبين له لون كالماء والهواء، أما ابن سيده فذهب إلى أنه قد يقال للملائكة والجن جسد… وكل خلق لا يأكل ولا يشرب من نحو الملائكة والجن مما يعقل فهو جسد (المفردات في غريب القرآن). لكن ما ذهب إليه الخليل يتعارض مع ما جاء في القرآن في إطلاق الجسد على العجل، ويتعزز ذلك أن أصل الكلمة يدل على التجمع والاشتداد، وهذا معنى مادي يطلق على الإنسان وغيره.

[4] – القرطبي. الجامع لأحكام القرآن، 15/199.

[5] – زاد المسير، 7/132.

[6] – تفسير القرآن العظيم، 7/48.

[7] – جامع البيان، 21/196.

[8] – الجامع لأحكام القرآن، 15/202.

[9] – الرازي. مفاتيح الغيب، 26/392.

[10] – الجامع لأحكام القرآن، 15/180.

[11] – الشنقيطي. أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، 6/347، وإلى نفس ذلك ذهب أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط، قال: “نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها في كتبهم، وهي مما لا يحل نقلها”. 9/155.

[12] – أضواء البيان، 6/347.

الوسوم

جميلة تلوت

باحثة في الفكر الإسلامي من المغرب

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.