الرئيسيثقافة

سوسيولوجيا الغزل العربي: هكذا أنصف الشعر العذري الأنثى فصارت ألف المخلوقات وياءها

الحب في الأدب العربي

 

ألا ليت ريعان الشباب جديد       ودهرا تولى يا بثين يعود

فنبقى كما كنا نكون وانتم        قريب وإذ ما تبذلين زهيد

 

هذه بعض من زفرات جميل بن معمر يلقيها على أعتاب معشوقته بثينة التي وهب حياته وشعره للتغزل بها حتى بات مضربا للأمثال وليس هو وحده من برع في الغزل في موروثنا الشعري العربي فغيره كثير.

وقد انقسم شعراء الغزل إلى قسمين الغزل العذري والغزل الإباحي. ولان الشعر ديوان العرب فقد أسال الكثير من الحبر وشكل مجال حيرة ليس للنقاد والمبدعين فحسب بل للباحثين والأكاديميين في مجال علم اجتماع الثقافة وفي هذا المجال اعد الدكتور الطاهر لبيب عالم الاجتماع التونسي بحثا مهما حول سوسيولوجيا الغزل العربي وفكك الظاهرة الغزلية في الشعر العربي محاولا تأصيلها في بيتها العربية وفي سياقها الحضاري العربي الإسلامي.

 

تقول بثينة لما رأت                فنونا من الشعر الأحمر

كبرت جميل وأودى الشباب      فقلت بثين ألا فاقصري

وأنت كاللؤلؤة المزربان          بماء شبابك لم تعصري

قريبان مربعنا واحد             فكيف كبرت ولم تكبري

 

هكذا يشكو جميل بن معمر ركض الأيام وسرعتها وأفول الشباب ويتعجب من ديمومته العمر الغض لدى بالنسبة إلى حبيبته بثينة.

عالم الإجتماع الطاهر لبيب

وهي من المفارقات التي حللها الدكتور الطاهر لبيب والتي هي إحدى مرتكزات الحب العذري حيث يشيخ المحب ولا يفقد المحبوب شبابه وتوهجه وتتكالب صروف الدهر والشيخوخة والأهل ضد المحب فلا يدري  من يواجه ولا من يستمع إلى لواعجه وشكواه وهو حب كتب عليه أن يبقى أسير الترقب والخوف والحذر من الوشاة والعذال والرقباء واللائمين.

وفي هذا الصدد يؤكد عالم الاجتماع أن الزمن كفلسفة أثار جدلا في الثقافة العربية منذ القديم ولازال كذلك إلى اليوم.. فالعربي يهاب الزمن وما يخبئه. ويمكن فهم هذا الخوف ارتكازا على على معيش العرب قديما الذي تتقاذفه ثنائية الترحال والاستقرار. فكلما اطمأن الى مكان واستقر فيه وألفه إلا وسارت الرياح بما لا تشتهي السفن ووجد نفسه بفعل صروف الدهر مرتحلا باحثا عن الكلأ والماء.

ولعل هذا ما أكسبه رغبة في التمتع باللحظة والتنعم بها قبل أن تنقضي خوفا من القادم المجهول.

 

وهو لدى الحبيب قد يكون الفراق والهجر والتقدم في السن ولذلك يحفل شعر الغزل العربي بالاحتفاء بمباهج اللحظة العشقية وتخليدها في القصائد.

 

يقولون مسحور بذكرها         فاقسم ما بي جنون ولا سحر

تجود علينا بالحديث وتارة      تجود علينا بالرضاب من الثغر

 

وقد انطلق الدكتور الطاهر لبيب من مقولة مفادها أن شعراء الغزل العذري وهم مجموعة من ذوي العفة الذين تشربوا بالإسلام  على نحو عميق حيث أصبحوا من وجهة نظر دينية أكثر الشعراء “امتثالية” والدليل كما يقال إنهم تغنوا بحب قصي ونأوا عن تحقيق مآثر جنسية محظورة.

 

 

ولمقاربة سوسيولوجيا الغزل العربي اعتمد لبيب على المنهج البنيوي الذي صاغه  أستاذه لوسيان غولدمان ويفسر هذه المقاربة بقوله ” يرتكز هذا المنهج المستوحى من بعض الأبحاث التي تمت في مجال علم اجتماع الأدب وعلى رأسها أعمال لوسيان غولدمان التي انقطعت بموته والتي انتهت إلى مبدأ  بسيط هو انه لا ينبغي مساءلة الشاعر بل مساءلة شعره “.

ويؤكد لبيب على التراتبية الجنسية في الثقافة العربية ويدلل عليها من خلال التراتبية في النحو العربي الذي يبرز تفوق الذكر على الأنثى ويسوق الراء النحويين عن أفضلية الذكورة عن الأنوثة والأصل في الاسم ان يكون مذكرا والتأنيث فرع من التذكير.

ويذهب إلى التأكيد على أن الشعر العذري أول منصف للأنثى فالعذريون أول من قاوم التجنيس أو الجندرة على مستوى الدلالة واللغة فقد قاموا بتقويض الثنائية التمييزية ذكورة وأنوثة بل وحسموا الصراع التقليدي بتفضيلهم للمرأة وقبولهم بإغرائها وكما امنوا بالله الواحد تماهوا مع حبية واحدة.

 

ألا ليت لا اصطفي بالحب غيركم   حتى أغيب تحت الرمس بالقاع

 

وبهذا المعنى يمكن القول إن  الغزل العذري يتميز بعقيدة التوحيد والحبيبة  الواحدة وهو ما يسمى الميثاق العذري. فالحبيب ينذر نفسه للمحبوبة إلى يرحل عن الدنيا ويعيش ذوبانا تاما .

و يعيش صراعا محموما بين عاطفة متأججة يتقطع صاحبها شوقا وحرقة فهو لا ينشد إلا الوصال وبين الغنج الأنثوي لحبيبته المتمنعة التي لا تعرف للرأفة سبيلا وتجد في إيذاء من يحبها لذة ما بعدها لذة.

وللحب العذري دور مركزي في تضخيم المرأة وفي إضفاء هالة متخيلة عليها فالعاشق دوما ما يطنب في وصف استحالة اللقاء كما انه لا يقبل ان يرى حبيبته كبقية النساء تعيش الحمل والمخاض والإنجاب وغيرها فهذا يجردها من صفتها المطلقة التي يصبغها عليها.

كما الصفات التي يضفيها الشاعر العربي على حبيبته تجعلها تفلت من إمكانية التشابه مع النساء العاديات فتصبح ذات مكانة مخصوصة لا يرقى إليها احد فهي ” الحبيبة ” التي تمثل ألف المخلوقات وياؤها أيضا.

 

 

وكما أن هذه الحبية استثنائية من الناحية المعنوية فهي من الناحية الجسمية فهي تركيب لكل صور الجمال وكأنها فينوس تخرج من الصحراء.

 

وأحسن خلق جيدا ومقلة      تشبه في النسوان بالشادن الطفل

 

ويقول المؤرخون انه رغم أن الشعراء الذين برعوا في القصيدة العذرية قد حبروا مئات الصحائف عن شغفهم وصبوتهم وعن استثنائية نسائهم فإنهم في الحقيقة عاشوا حياة طبيعية عادية ومارسوا وجودهم كأي فرد من أفراد قبيلتهم.

ولعل فرادة وتميز البحث الذي قام به الدكتور الطاهر لبيب يكمن في إدخال عناصر في البحث لم يستعملها آخرون اهتموا بالحب العذري على غرار رؤيا العالم والبنيات اللغوية في علاقتها بالبنية الاجتماعية.

وتعد هذه الدراسة محاولة جديدة واستثنائية في تناول الموروث الثقافي العربي ومناقشته بعيدا عن المسلمات وبمنأى أيضا عن المواقف العدائية المتشنجة إزاء كل ما هو تراث. وهذا ما جعل طريقة التناول تقوم على توازن فكري من شأنه أن يسهم في تسليط الضوء على بعض المحطات المهمة.

ويقول الطاهر لبيب بأن الفرد العربي يستحق أن يكون معيشه اليومي بكل قضاياه الوجدانية والعاطفية موضوعا جديرا بالتناول رغم الإقرار بوجود قضايا يعتبرها البعض أهم من الحب والعاطفة عند العربي فإنه يرفض تغييب دراسة حياة الإنسان العربي ومشاكله الوجودية لأن هذا التغييب جرم في حقه باعتبار أن اغلب الدراسات سجنته في اسر الحروب والهزائم والنكسات وقضايا تتجاوز إرادته وقدرته بل إن رغباته كببت بذريعة هذه تحت يافطتها. على اعتبار انه لا صوت يعلو فوق صوت القضايا المصيرية التي تهم الأمة في حين ينظر إلى الحب والوجدان والعاطفة عموما كمسائل هامشية وربما تافهة ولا تستحق أن تكون موضوع دراسة سوسيولوجية معمقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد