الرئيسيثقافة

الشيخ أحمد التوني: سلطان المنشدين وساقي الأرواح

 

صوته خمرٌ زلال، قلبه دير عامر بعاشقين ومجذوبين ودراويش، أولئك الّذين لا همّ لهم في الحياة سوى ارتشاف القليل من قطر غيمة الحبّ الّتي تعبر سماء الإنسان الأوّل. إنّه الشيخ أحمد التوني الّذي غنّى لِلّه وللإنسان، أيًّا كان دينه أو مذهبه أو لغته؛ ففي دينه: “اللّه هو المحبّة” ومذهبه: “العشق هو الطريق” ولغته: “الموسيقى لغة الكون”!!

 

هو أحد أقطاب الإنشاد الصوفي في مصر والعالم العربي: الشيخ أحمد التوني الّذي ظلّ يسقي الأرواح من خمرة صوته طيلة ستّة عقود.

وُلِد الشيخ أحمد التوني في عام 1932، في قرية الحواتكة إحدى قرى مركز منفلوط التابع لمدينة أسيوط، وأمضى طفولته بين الأضرحة المنتشرة في هذه القرية، فتفتحّت عيناه على حبّ آل البيت ومدحهم.

حفِظَ ما تيسّر من القرآن الكريم، وبدأ الإنشاد في سنّ مبكرة بمساعدة أحد منشدي قرية الحواتكة، وقد ساهم تعدّد الموالد في هذه القرية، مثل مولد الشيخ التهامي حسانين، ومولد الشيخ أبي الحسن المحمدي، والشيخ عبد رب النبي، إلخ…

ثمّ درس المقامات الموسيقيّة وأتقن قواعد الإنشاد والابتهال؛ إضافة إلى أنّه أمضى وقتًا طويلًا في الاستماع إلى عمالقة المقرئين والمطربين في مصر من أجل تنمية قدراته الصوتيّة وتمكّنه من قواعد الغناء، فتربّت أذنه على موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أمّ كلثوم. ك

ما أنّه تعلّم الكثير من اثنيْن من عباقرة التلاوة والإنشاد في مصر والعالم العربي، وهُما الشيخ مصطفى إسماعيل -الّذي كان يمتلك صوتًا خارقًا وقدرة على تطويع هذا الصوت صعودًا ونزولًا بين مختلف الطبقات والمقامات الموسيقيّة- والشيخ السيّد النقشبندي الّذي يعتبره التوني، قادرًا على غناء مقامات موسيقيّة صعبة جدًّا وبقدرات صوتيّة جِدُّ مميّزة.

بهذا الزاد الموسيقيِّ والمعرفيِّ، انطلق الشيخ أحمد التوني في كامل أرجاء الصعيد المصري، يُحيي الحفلات والمناسبات الدينيّة، فذاعت شهرته تدرجيًّا في الصعيد، ومن ثَمَّ في مصر.

لكنّ شهرته العالميّة أتت متأخّرة جدًّا، لكنّه نال تقديرًا واسعًا وترحابًا كبيرًا لتفرّده في الإنشاد الصوفي، فكان مؤسّسًا لمدرسة الصعيد في الإنشاد. فشارك في مهرجان فريبورغ الدولي للموسيقى الروحانيّة بسويسرا في عام 2008، من خلال حفلٍ أحياه في كنيسة دي كولاج/ سان ميشال (Eglise du Collège Saint-Michel) وأثار أداؤه انبهار الجمهور، لما يحمله فنّه من شجن لا نظير له وسلطنة تسمو بالسامعين إلى مقامات سامية.

 

 

كما كان خطاب أناشيده الداعي إلى حبّ الذات الإلهيّة -دون تمييز بين الديانات أو الحضارات- محلّ إعجاب كبيرٍ في كلّ أنحاء العالم، وكثيرًا ما كانت الجماهير حتّى في أوروبّا تتأثّر تأثّرًا بالغًا لهذه الموسيقى البسيطة في شكلها الحارقة في عمقها الحضاري والروحي والإنساني. وقد علّق الشيخ أحمد التوني على انطباعها قائلًا: “يخلق ‏ الإنشاد حالة متطابقة من الانفعال والتأثّر النفسي لدى الجميع، فكلٌّ يعبّر عنه بلغته ‏وبأسلوبه، وبحسب ما منحه الله من إيمان ويقين”.

 

 

فالشيخ أحمد التوني زار دولًا عديدة في أواخر حياته مثل تونس والمغرب والبرتغال والبرازيل وفرنسا وإسبانيا، إلخ… وشارك في الفيلم الشهير (Vengo) للمخرج الفرنسي توني ڨاتليف (Tony Gatlif)، في واحدة من أجمل المقطوعات الموسيقيّة الّتي تعتمد على المزج بين نوعين مختلفين في التاريخ، وذلك في حوار شيِّق مع عازف الفلامنكو والجاز الإسباني توماتيتو (Tomatito)، وقد حاز الشيخ أحمد التوني بهذه المقطوعة على جائزة السيزار السينمائيّة لأحسن موسيقى في عام 2001. ويلخّص هذا المقطع الموسيقي -رغم قصره- كلّ الخصائص الّتي تفرّد بها الشيخ أحمد التوني في الإنشاد تقريبًا، ومنها:

  • طريقته الفريدة في ضبط الإيقاع من خلال النقر بمسبحة على كأسٍ زجاجيّ، فالإيقاع في الموسيقى الصوفيّة ليس تكميليًّا بل هو لبنة أساسيّة في بنائها، ولكنّه عند الشيخ أحمد التوني أكثر هدوءًا وعمقًا، فلا نجد آلات إيقاعيّة كثيرة لكنّنا نستشعر حضوره بشدّة، إضافة إلى دلالة المسبحة والكأس الحضاريّة والفكريّة، كأنّهما إشارة على أنّ حاملهما راسخ في المديح وطاعن في العشق.

 

  • تتألّف فرقة الشيخ أحمد التوني في أغلب الأحيان من تخت شرقيٍّ بسيط، يتضمّن ثلاث آلات: الرقّ والناي والكمان. ويقول الشيخ أحمد التوني: “لا أتبع الفرقة الّتي تعزف خلفي، هُم من يتبعونني”، فهو لا يُقيم البروفات قبل حفلاته، فالعازفون يقتفون أثر الشيخ، يرافقونه بجمل موسيقيّة قصيرة تشكّل طبقة خلفيّة لصوت المنشد حين يرتجل، ويجيبونه بجمل موسيقيّة طويلة مرتجلة حين يصمت. ولذلك فالشيخ أحمد التوني ينشد من وحي اللحظة، ولا يحكمه إلّا قانون واحدٌ وهو الارتجال. وتبرهن هذه الميزة على أنّ التوني ليس مُنشِدًا فحسب كغيره من المنشدين، بل هو متصوّف يخوّض في بحار العشق قبل أنْ يكون مُنشدًا، إنّ إنشاده حالٌ قبل أنْ يكون مقالًا.

 

  • يمزج الشيخ أحمد التوني اللغة العاميّة باللغة الفصحي، وهو ما يضفي بُعدًا آخر لأسلوب أحمد التوني في الغناء، خاصّة إذا ما أضفنا المواضيع المدحيّة الّتي تقتصر على مدح الرسول وآل البيت، بل مدح مريم العذراء وعيسى وموسى وغيرهم من الأنبياء والرسل، إضافة إلى شذرات ومقاطع غير منتظمة من أشعار المتصوّفين الكبار بالفصحى مثل بن الفارض والحلّاج وغيرهم، وحكايات من القصص الشعبيِّ؛ إنّه خليط بين حكايات شعبيّة وأشعار وسيرة لأنبياء ورسل، يُعطي للإنشاد أبعادًا أخرى.

 

  • إنّ إنشاد الشيخ أحمد التوني في مواجهة عازفين عالميّين لأشكال أخرى من الموسيقى، دليل على وعيه الفطري والروحاني بالموسيقى، وقدرته على الارتجال والتصرّف في صوته وانتقاله السلس بين المقامات مهما كانت متباينة.

 

 

هذا هو عالم الشيخ أحمد التوني البسيط في ظاهره، العميق في جوهره ومقاصده.. ولذلك حصد إعجاب جمهور الموسيقى الروحانيّة في أكثر من بلدٍ وأكثر من قارّة، وقد فُجِع هذا الجمهور العريض في أنحاء العالم بخبر رحيله في 17 مارس من عام 2013، وقد شيَّع جثّته الآلاف من أبناء قرية الحواتكة ومن عشّاقه في كثير من أرجاء مصر.

 

 

هكذا هو الشيخ أحمد التوني الّذي عرفته منذ سبع سنوات أو أكثر. ورغم اطّلاعي على أشكال عديدة من الموسيقى في العالم، موسيقى أكثر تعقيدًا وتطوّرًا، لكنّي أحبّ هذا الرجل البسيط الّذي يرتجل في أغلب الأحيان ولا يصاحبه إلّا عازفيْن أو ثلاثة على أقصى تقدير!! وكثيرًا ما صاحبني في أوقاتٍ كثيرة من حياتي، أكون فيها مُرهقًا أو موجوعًا من تعبي في هذا العالم المادّي، لكنّي حين أستمع إليه أشعر بأنّ العالم أكثر شساعة، وأشعر كأنّي أرتوي من ينبوع ماءٍ في الصحراء بعد رحلة طويلة رفقة العطش!!

وكما تساءل محمود درويش في جداريّته: “من أين تأتي الشاعريّة؟”، أسأل نفسي دائمًا: “من أين يأتي هذا الرجل بقدرته على تحويل الذبذبات الخفيّة للرّوح الّتي تسري في الكون، إلى أصواتٍ بسيطة ومألوفة، لكنّها تجعلك -بغضّ النظر عن قناعاتك ومعتقداتك وذوقك الفنّي- إلى رضيعٍ مغمض العينيْن في مهده الضيِّق؟” لا يفعل بي هذا إلّا الشيخ أحمد التوني.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.