مدونات

اُخرج من الدائرة

مدونات

 

ككلّ مساء، حين يرفضك العالم الخارجي وترحل بجميع حواسك إلى عالم افتراضي أزرق تراه يحتويك كل يوم، فتدنو منه حتى تنغمس إلى أذنيك وتنسجم فيه، حتى لا تكاد تسمع صوت أخيك الذي يجلس بجانبك.

أجل ككل مساء رحت أقلّب وأقلّب وأطّلع على المستجدات اليومية وآخر الأخبار السيئة، فتصادف عيناي أحد المنشورات الثقافية. وعلى إحدى أضخم المجموعات الثقافية الفكرية الشبابية الموجودة على الفيس بوك، منشور يحتوي فكرة مختلفة عن العوام كان قد كتبتها إحدى السيدات، ومن المؤسف أن تنهال عليها الشتائم واللعنات والدعوات تصل إلى جدها السابع المدفون في حجرته، ولسبب واحد فقط هو الاختلاف، أجل لأنها اختلفت عنهم..

ما أثار فضولي من إحدى التعليقات الهابطة والمسيئة، هو أن صاحب التعليق يرتدي لباساً أبيض اللون. دخلت إلى صفحته الشخصية فإذ هو طبيب، أو دعني أقول إنّه مريض يتقمّص دور الطبيب.. أنا لا أعمّم أبداً ولا أنعَت الأطباء بهذا الأمر، ولكني أسلّط الضوء على أنه ليس كل من كُتِبَ قبل اسمه طبيب أصبح طبيباً لهذا المجتمع، ولا كل من وضع شعار الميزان على طاولة مكتبه كان المنصف لقضايا المجتمع.

 

كن يا أخي الخارج عن ذلك القطيع

 

أيا قارئا كلماتي، أرجوك أُخرج من الدائرة، اجعل عالمك غير منقطع النظير، لا تقبل أفكار الآخرين، ولكن فقط تقبلّها وفكّر بها جيداً

والتعليق الآخر كان من شاب يضع صورته الشخصية بجانب عشرات الكتب، فعندما دخلت إلى صفحته رأيت أنه القارئ والكاتب في آن واحد، كان ذلك المثقف المبحر في عالم المعلومات ولكن ما فائدة العلم إن ذهبت الأخلاق..!

وآخرُ يطلق دعوات الموت والحرق والدهس والدعس على تلك السيدة، فقط لأنها لم ترضِ فكرَهُ..!

أرجوكم بأيّ حق تشتمون !

ومن أعطاكم الضوء الأخضر في أن تهينون نفساً بشرياً أعزها الله وكرّمها بالعقل والفكر..!

من المؤسف جدا أن نصل إلى هذا المكان الهابط وأن يحرّم علينا الاختلاف في أفكارنا، فالمجرم بيننا صاحب فكرة والجرم في حياتنا هو الفكرة ذاتها.

كن يا أخي الخارج عن ذلك القطيع

أصبحنا لا نطيق التعقيب على أي أمر، خشيةَ أن نعرض أنفسنا لمثل هذه المهزلة، ولأن الجميع أصبح يحاول تعويض عقدات النقص التي يعانيها عن طريق فرض رأيه على الآخرين وبطريقة همجية كتلك التي رأيتها.

 

أيا قارئا كلماتي، أرجوك أُخرج من الدائرة، اجعل عالمك غير منقطع النظير، لا تقبل أفكار الآخرين، ولكن فقط تقبلّها وفكّر بها جيداً

 

الكم الهائل من الانحطاط أصبح يشكل خطراً على قاعدتنا التي ترتكز عليها الأمة، وبالتالي فإن كان المعلم أو الطبيب أو الكاتب أو المحامي لا يمكنه تقبّل فكرة الاختلاف فإنّ بيننا وبين النهضة عقود عديدة..

أيها قارئ كلماتي، أرجوك أُخرج من الدائرة، اجعل عالمك غير منقطع النظير، لا تقبل أفكار الآخرين، ولكن فقط تقبلّها وفكّر بها جيداً، اختلف عنها ولكن لا تخالفها، فكّر جيداً بما يدور حولك، اطفئ التلفاز فكل ما يدور وراء الشاشات محاك بأيدي مسيطرة وكن أنت تلفاز نفسك، اُخرج من الدائرة واختر طريقا مخالفة، طريقاً أفضل وأشدّ جمالا..

ربما تكون أنت دائرة أخرى..

اطلق عنان مخيلتك ودع الأفكار ترقص في أعماقك، ناقش المختلفين واختلف عندما تراهم يتشابهون، كن ذلك الوعاء الكبير الذي يحتوي جميع تلك الأوعية،كن الأبيض عندما يسودّ الجميع وكن الأسود شكلياً لا ضمنياً عندما يبيض الجميع، كن الورقة الصفراء وسط الربيع، وكن الجزيرة الصغيرة وسط البحر الوسيع..

كن يا أخي الخارج عن ذلك القطيع ..!

الوسوم

هيا توركو

مدونة سورية تقيم بالنرويج

مقالات ذات صلة

اترك رد