الرئيسيثقافةغير مصنف

التقارير حول سارة وسليم : فيلم فلسطيني يثير جدل التطبيع مرة أخرى

فيلم "التقارير حول سليم وسارة" يقوم على دراما مكثفة تراوح بين الإنساني والسياسي  ومن خلالها يحاول المخرج مؤيد عليان ان يقدم سينما فلسطينية مختلفة عن الشكل الذي عهدناه

 

الحب والخيانة والاحتلال والمخابرات الإسرائيلية  لعلها ابرز تيمات الفيلم الفلسطيني المثير للجدل “التقارير حول سارة وسليم” الذي عرض مؤخرا في مهرجان روتردام بهولندا.

وهو للمخرج مؤيد عليان والمؤلف رامي عليان ومن بطولة ميساء عبد الهادي وأديب الصفدي وكامل الباشا، وهو أول فيلم فلسطيني يشارك في هذه الفعاليات.

كما نال هذا العمل الفني جائزتين في هذا المهرجان العالمي المهم.

وهو إنتاج مشترك بين مجموعة شركات انتاج من فلسطين وهولندا وألمانيا والمكسيك.

 

 

وتدور أحداث فيلم ” التقارير حول سارة وسليم ” في القدس المحتلة، وتروي قصة حب عاصفة خارج إطار الزواج، ولأن الممنوع مرغوب يدخل البطلان في سياق لعبة خطيرة.

ويعد هذا الفيلم الروائي مواصلة لتجربة المخرج مؤيد عليان في فيلم ” الحب والسرقة ومشاكل أخرى”.

لكن عرض الفيلم وتتويجه لم يمر دون إثارة عاصفة من النقد والنقد المضاد، ورفعت في وجه صناع الفيلم تهمة التطبيع وادعى أصحاب هذا الرأي ان هناك بعض الحاملين لجنسية الكيان الصهيوني ضمن فريق العمل. ومضى أصحاب هذه التهمة إلى القول بضرورة ان يعتذر صناعه للرأي العام الفلسطيني والعربي وان يتبرؤوا منه وان يمنع أيضا من العرض في قاعات السينما في البلدان العربية.

وهو ما نفاه صناع  فيلم “التقارير حول سارة وسليم” جملة وتفصيلا،  وردوا ببيان توضيحي أكدوا فيه على مصادر التمويل الشفافة والواضحة للفيلم وشددوا على التزام كل صناع الفيلم بالقضية الفلسطينية وعدالتها سواء من قبل الجانب العربي او من باقي المشاركين في الإنتاج.

 

 

ولعل هذه التهمة تأتي لأسباب لا علاقة لها بالموضوعية او المهنية من قبل هؤلاء الناقدين، خاصة وان مجمل المحللين ونقاد السينما تفاعلوا إيجابا مع تجربة  مؤيد عليان الذي يسعى الى تقديم سينما فلسطينية مغايرة ومختلفة عن السائد، وهو ما تجلى منذ فيلمه الأول الحب والسرقة وأشياء أخرى.

وهو مخرج يحمل معاناة ابناء جيله من المبدعين الشبان ورهاناتهم على الفن السابع كحامل لقضية الوطن، لكن بأشكال فنية ومضامين تقطع مع النمطية المعهودة.

وقد انحاز المخرج مؤيد عليان منذ الفيلم الأول للشخصيات المنسية او المسكوت عنها أولئك الذين لا يهتم احد بحكاياتهم وسيرهم باعتبار انهم لا يحملون ملامح البطولة ووهجها.

 

 

وعلى هذا الأساس اختار أبطاله من الشباب غير المسيس الذي لا يرغب سوى في حياة سعيدة كغيره من شباب العالم وتلك ملامح انسنة الفرد الفلسطيني بعيدا عن الهالة التي غالبا ما نصبغها عليه.

وينطلق الفيلم بنزوة عابرة متمثلة في علاقة جنسية تشتعل مثل النار في الهشيم بين عامل فلسطيني يدعى سليم وصاحبة مقهى إسرائيلية تدعى سارة.

وهي علاقة تحدث في كل مكان، لكنها تبدو أكثر إثارة في فلسطين خاصة بالنظر إلى طرفي العلاقة. فسليم وسارة ليسا شخصين عاديين يمثلان نفسيهما وضعفهما، وخطيئتهما تتخذ أبعادا أخرى تحيل على جذور كل واحد منهما. وهما يحملان الى جانب وزر هذه النزوة تركة ثقيلة من العنف والاحتلال والقهر.

 

 

وهما يعيشان في نسق سياسي واجتماعي لا يتم فيه التعامل مع الفرد بمعزل عن ديانته وانتمائه العرقي، وهما بهذا المعنى يواجهان صعوبات وعراقيل تفوق قدرة البشر على التحمل.

ليس هذا فحسب، فالجرم أفدح باعتبار ان هناك طرفين آخرين متورطين بشكل أو بآخر في هذه النزوة هما زوج سارة المخدوع وزوجة سليم التي تمت خيانتها.

وهنا يمكن أن نذهب بعيدا في تفكيك الفيلم وفهم ما وراء السطور، وهو استحالة التطبيع مع المحتل الغاشم  حتى وان توفرت الرغبة في العيش معه بسلام، بل وابعد من ذلك مطارحته الغرام مجازا.

فالمعيش اليومي للفلسطينيين ينبذ التطبيع، رغم حتمية التعاطي مع المحتل الذي يجثم على صدور الأهالي ويضطرهم للتعاطي معه كأمر واقع.. إلا أن التطبيع النفسي والعاطفي والثقافي والاندماج بين المحتل وصاحب الأرض هو في الحقيقة من قبيل المستحيل.

 

 

هذا عن المضمون، أما البنية الفنية فهي تمتاز وفق ما جاء في تحليل النقاد بمهارة عالية لكاتب السيناريو رامي عليان شقيق المخرج. وقد ارتأى ان يكون نصه دراما شكسبيرية بامتياز تتصارع فيها شخصيات مختلفة على  مستوى البنية النفسية والذهنية وتختلف دوافعها المعلنة والخفية في مجتمع يقوم على علائق متشابكة وبالغة التعقيد والخطورة في بلد يقطع الاحتلال أوصاله.

 

 

وتبدو شخصية كل من سليم وسارة الأضعف في هذا البناء الدرامي، باعتبارهما الأكثر هشاشة نفسية والأكثر سلبية أيضا فرغم أنهما محركا الأحداث، إلا أنهما يواجهان وقائع تحاصرهما ولا حول ولا قوة لهما في تغيير ما يحدث.

ولأن القضية اكبر  من النزوات الفردية، يتجلى سليم وسارة كمعطوبي الحرب لا قيمة لهما في ظل المعركة الكبرى.

في الأخير، يمكن القول ان فيلم “التقارير حول سليم وسارة” يقوم على دراما مكثفة تراوح بين الإنساني والسياسي  ومن خلالها يحاول المخرج مؤيد عليان ان يقدم سينما فلسطينية مختلفة عن الشكل الذي عهدناه فهي أكثر نضجا وهدوءا وبعيدة عن الإغراق في الرومانسية او الصخب العالي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.