مدونات

الزي الإسلامي: من نموذج للتحرّر إلى التسليع

بقلم: د. أحمد الأبيض

 

إذا كان علينا  «إنقاذ العالم بالجمال» حسب تعبير فيلسوف روسي، فإن علينا أن نتذكر «أن المرأة هي الجمال» حسب الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي في محاضرته “الخيال الشعري عند العرب”،، وأن كل جمال في هذا العالم يشير إلى المرأة أو يذكر بها حسب محمد المجدوب في كتابه الأدبي المميز بذور[1] .

ولذلك ستكون العناية بالمرأة مندرجة في هذا الإطار، ويمكن أن تكون ظاهرة توسع تأنيث المجتمع خدمة لهذا المشروع.

أحمد لبيض

ولكن أزمات العالم ماضية في التفاقم، سواء من جهة الاحتباس الحراري، أو تزايد منسوب العنف والحروب، وتغلب المنطق السلعي والعقلية الاستهلاكية، وتحوّل الإنسان إلى مجرد موضوع للبحث أو الدراسة أو المتاجرة أيضا… فإن صرخة ميشال فوكو عن موت الإنسان تجد مشروعيتها وصداها.

وإذا كان التلوث لم يصب البيئة الطبيعية فحسب، وإنما طال كل المجالات بما فيها الثقافي و الفكري، إضافة إلى النفسي، فإن المهمة ذات الأولوية أمام كل المعنيين بالدفاع عن جمالية وإنسانية الحياة على هذا  الكوكب سوف تكون هي «إنقاذ الجمال» في هذا العالم من كل هذا التلوث، وكل هذه الدمامات والتشوهات.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مهام إنقاذ المرأة / الجمال من كل أشكال التشيئة والسلعنة التي تجد أجلى مظاهرها في المتاجرة بالرقيق الأبيض داخل البلدان أو عبر الحدود، ولكنها ليست قاصرة عليها.

ولعل من أجلى مظاهرها وأكثرها مراوغة المراهنة على الحسن الأنثوي وتسويقه لتزيين الفضاءات والمحافل، ومكاتب الاستقبال، والمتاجر، وأغلفة المجلات والنشريات، وحتى في المنتديات السياسية.

 

ولقد كانت ظاهرة الزي الإسلامي للمرأة في انطلاقتها ردا إيجابيا واعيا مما يمكن اعتباره براعم نسوية إسلامية.

  • إذا هو تأكيد للحضور الإيجابي للمرأة في المجتمع ضد إرث الانحطاط الذي قلل من فاعليتها الإجتماعية، ذلك أن الزي الإسلامي للمرأة، إنما شرّع لها في حضرة الأجانب وفي الفضاء الإجتماعي العام، وليس لغرف النوم والفضاء الخصوصي.

 

  • ولأنه يتمثل في تحييد الخطوط الأنثوية، وعدم جعلها مناط التواصل الاجتماعي، ولا موضوعا للمتاجرة بها في ذلك، والتأكيد على الا تبرز المرأة باعتبارها شاهرة لرصيدها الجسدي الإثاري، وإنما مؤكدة على إنسانيتها التي تشارك فيها الرجال الذين يتقاسمون معها هذا الفضاء العام «إنما النساء شقائق الرجال» كما جاء بذلك الحديث النبوي، وذلك من خلال بروزها باعتبارها وجها يواجه الحياة والأحياء، ويدا بانية صانعة محتفية بالإبداع، وأقداما تشق دروب الحياة[2] .

 

  • ولأنه خروج من مواقف السلبية إزاء إرث الإنحطاط وتلوث التغريب اللذين يسجنان المرأة في حدود جغرافية الجسد الغضّ الريان الضاج بنداء الغريزة والمكبوتات.

 

وذلك من خلال رفض كلا الخيارين: لباسا ومواقف اجتماعية.

 

تفطن أهل المال إلى هذا الجمهور الواسع عالميا من الفتيات والنساء المحجبات  لا يجب السماح له بأن يكون خارج منطق السوق والاستهلاكية

 

وهكذا اقترنت ظاهرة الزي الإسلامي ببروز جيل من المناضلات الإسلاميات في مختلف الأوساط الإجتماعية، و كل المراحل العمرية، و خصوصا في الأوساط الشبابية .. رغم كل محاولات الحصار التي أبْدَتْهَا أنظمة التسلط في منطقتنا للظاهرة [3]. ولعل ذلك الحصار هو المنتج الثقافي و القانوني الوحيد الذي صدّرته أنظمة القهر العربية إلى أوروبا و خصوصا إلى فرنسا، ووصل الأمر إلى المحكمة العليا الأوروبية التي لم تر في مثل هذه الإجراءات انتهاكا للحقوق والحريات الفردية، فضلا عن حق التدين الذين تقرهما المواثيق الدولية.

وليس من العسير تبين أن هذه المواقف المتخفية بالقانون، ليست إلا محاولات بائسة للحد من مد النسوية الإسلامية، ومن يقظة المرأة /الإنسان وثورتها على كل ما فيه تكريس لظاهرة المرأة /الفتنة والسلعة.

 

اقترنت ظاهرة الزي الإسلامي ببروز جيل من المناضلات الإسلاميات في مختلف الأوساط الإجتماعية، و كل المراحل العمرية، و خصوصا في الأوساط الشبابية

 

وأمام هذه الريادية للخيار الإسلامي على مستوى الرأسمال الرمزي فقد سجلنا أكثر من محاولة للانزياح بالدلالات الرمزية التي مثلتها ظاهرة الزي الإسلامي[4] ولعله من المفيد التوقف عند الظواهر التالية:

الأولى: و تمثلت في العناية بحسن إخراج الزي الإسلامي، وتمكين المرأة المسلمة من حقها وحظها من الأناقة والجمال في اللباس، وعدم جعله مقصورا على لباس مناسب لساحات النضال من أجل التحرير  والتنوير والتطوير..

وهكذا شهدنا عروضا للأزياء المحتشمة وآخرها في اليابان، وتميزت بعض النساء في هذا المجال خروجا من القوالب الجاهزة Standard للإتاحة لفرص الاختلاف والتميز والجمالية و لكن دوما ضمن المواصفات الإسلامية.

 

 

الثانية : وتمثلت في الانتشار الواسع جدا لظاهرة إقبال الأجيال الجديدة على ارتداء لباس يقرب بدرجات متفاوتة من المواصفات الإسلامية للزي الإسلامي للمرأة. ويمكن رد ذلك للأسباب التالية:

  • إن الفئات المحافظة قد وجدت نفسها في الزي الإسلامي مقارنة بمختلف أشكال التعرية شبه القصرية التي تطرحها الموجات العاتية للتغريب والتشيئة للمرأة و تزايد المخاوف من كل ما يشير للنضالية.

 

  • التسطيح الديني الذي فرضته سياسات تجفيف منابع التدين داخل المجتمع قد أنتج قلة تبين الأحكام والمقاصد الإسلامية.

 

  • توازى ذلك مع سياسات إعلامية و ثقافية وقفت وراءها بعض أنظمة المنطقة المرعوبة من امتداد الظاهرة الإسلامية في محاولة لإفراغ المظاهر الإسلامية من روحها ومن أبعادها الاجتماعية، من أجل توفير نوع من الإرضاء الزائف للضمير الديني وذلك بإعطاء الأولوية للشكل والمشهدية.

 

في هذا السياق بالذات يمكن فهم محاولات إغراق السوق بنماذج ألبسة تتماهى مع ألبسة السلعنة للمرأة تصف الجسد الأنثوي وتبرز الإستدارات الأنثوية les arrondissements féminins أكثر مما تخفيها، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن المطلوب من الزي الإسلامي للمرأة هو أن لا يصف ولا يشف

 

الثالثة : و تمثلت في تفطن أهل المال إلى هذا الجمهور الواسع عالميا من الفتيات والنساء المحجبات الذي لا يجب السماح له بأن يكون خارج منطق السوق والاستهلاكية،،،.

وكان الالتقاء مع كهنة المعبد الرافضين لكل خروج عن نمط تشيئة المرأة و كل ما من شأنه أن يضع النموذج الحضاري المهيمن عالميا موضع سؤال ومساءلة، فضلا عن تدشين مقترح بديل يقوم على تحرير الإنسان انطلاقا من النساء و جعلهن في صدارة المشهد ومبشرات بهذا الانعتاق.

وفي هذا السياق بالذات يمكن فهم محاولات إغراق السوق بنماذج ألبسة تتماهى مع ألبسة السلعنة للمرأة وإن كانت تتخفى برقائق وغلالات في تصاميم تصف الجسد الأنثوي وتبرز الإستدارات الأنثوية les arrondissements féminins أكثر مما تخفيها، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن المطلوب من الزي الإسلامي للمرأة هو أن لا يصف ولا يشف.

 

مسابقة جمال المسلمات التي تعقد في أندونيسيا

 

لمزيد تكريس هذا المنحى وتأكيد في الوسط النسوي عامة من جهة أولى، وفي محاولة لإفراغ النسوية الإسلامية من بعض خصوصياتها المركزية كرؤية نقدية تجاوزية لتشيئة المرأة وسلعنتها من جهة ثانية،

ولرد النساء المحتفيات باكتشاف واحتضان المرأة الإنسان في أنفسهن، والخارجات عن المرأة/ الجسد الفاتن المحتفية بالنظرات الشرهة وعبارات الإطراء، إلى حضيرة التبعية والذيلية، وذلك بإيهامهن أنهن هكذا أجمل وأحلى، من خلال سيول من الضغط الإشهاري والإعلامي الذي يلهب تلافيف الأدمغة، ويكرّس التنميط Standardisation.

وليس بعيدا عن هذا السياق، يمكن فهم اعتناء مؤسسات عابرة للقارات بتنظيم سباق لملكة جمال المحجبات: أهو لإدراجهن في السائد من النظرة التشيئية للمرأة؟[5]

أو هو لجعلهن يتنازلن عن الزي الإسلامي المحتشم، والقبول بالظهور في ملابس عارية أو شبه عارية لإظهار مفاتنهن كما هو الحال في بقية المسابقات من هذا النوع؟

أم هو محاولة القول أنه ليس صحيحا أن اللباس يلبسنا أكثر مما نلبسه و أن الزي الإسلامي الحقيقي يُمَلِّكُنا قيمه تدريجيا، ويساعد الآخذات به على الرقي بأنفسهن.

أم هو للإيحاء بأن اللباس المحتشم لا يحمل أي دلالة للطّهر، وما هو بلباس التقوى، و”كم تحت السواهي من دواه”؟

أم يريدوننا أن نصدق أن هذه المبادرة تحركها الرغبة في إخراج النساء المسلمات من الغبن والإهمال والاستنقاص من القيمة الذي تعرّضن له عقود من الزمن، و من ثمّ إلحاقهن بركب المساواة مع غيرهن من النساء الغربيات؟

أم هو الحرص على إدراجهن أَبَيْنَ أَمْ كَرِهْنَ في السياق نفسه؟

ولكنه، ورغم كل ذلك، أليس الحدث في حد ذاته مستفزا للكثير من الغربيات وغيرهن من النساء للتفكير في الإسلام وفي المرأة في الإسلام أيا كانت الخلفيات والنوايا؟

أليس مناسبة لجعل النسوية الإسلامية تولي مزيدا من العناية بكل من إشاعة المقاصد الإسلامية للزي الإسلامي من جهة، ولتكامل الجمالية والفاعلية فيه من جهة أخرى؟ [6]

 

د. أحمد الأبيض

طبيب وباحث في القضايا النفسية والجنسية

 

هوامش

[1]  منشورات مؤسسات بن عبد الله تونس.

[2]  نحيل على ما يجوز إبرازه من المرأة في الفضاء العام  حسب الثابت  المرجح فقهيا. راجع: د. أحمد الأبيض : فلسفة الزي الإسلامي دار المعراج دمشق 2012 /د. عبد الحليم أبو شقة: تحرير المرأة في عصر الرسالة دار القلم الكويت .

[3]  مثال ذلك المنشور عدد 108 سيء الذكر في تونس الذي يمنع الفتيات والنساء من التعليم والعمل مع الإدعاء أن الزي الإسلامي للمرأة هو عنوان تجهيل المرأة وإقصائها من الحياة.

[4] لفت عالم الإجتماع الفرنسي بورديو الإنتباه لمحاولات إعادة تأويل الرأسمال الرمزي من طرف المهزومين بما يخدم مصالحهم.

[5] علما وأن أغلب النسوائيات الغربيات تقف موقف الإدانة من سباق ملكات الجمال.

[6] راجع: د. أحمد الأبيض: فلسفة الزي الإسلامي. دار المعراج دمشق 2012.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.