مدونات

في يوم المرأة، فتّش عن الرجل

قضية المرأة لا يجوز أن تناقش بمعزل عن موقع شريكها في الحياة، أي الرجل

 

بداية، لا بد لي من التأكيد بأنني لا أحفل كثيراً بتلك المناسبات السنوية التي اصطُلح على جعلها خاصةً بعنصر أو قضية في المجتمع، كيوم المرأة ويوم الأم ويوم الطفل، ونحو ذلك. فقضية الإنسان، أي إنسان، أعظم من أن يحتويها يوم في السنة، ويحيط بمتطلباتها، فكيف حين يكون هذا الإنسان أمّاً أو امرأة تشكّل نصف المجتمع عدديا، وعماد بنائه قيميا؟

ويوم المرأة تحديدا، بات مناسبة تقليدية لتداول نقاشات نمطية، وتنظيم مؤتمرات وإقامة احتفالات حول قضايا معينة ومحددة كل عام، قوامها تمكين المرأة وإبراز نسبة تمثيلها في مواقع القرار حول العالم، أو تسليط الضوء على تجربة النساء في بلد ما، حُزْنَ فيه مراتب عالية من التحرر، وليس الحرية، التحرر من منظومات القيم والضوابط، وليس نيْل حرية الفكر والتعبير.

أي أن قضية المرأة تُختزل في شؤون لا تهم كثيراً من النساء، في مراسيم إحياء يوم المرأة كل عام، إذ ما الذي يعود على المرأة من كون نسبة تمثيل النساء في مجلس نيابي في بلد ما مرتفعة بينما تعاني المرأة في هذا البلد اضطهاداً مجتمعياً كبيرا؟ وبماذا يفيد المرأة أن يُستحدث قانون يتيح لها الزواج من غير المسلم أو يساوي بينها وبين الرجل في الميراث، بينما تتلخص المعضلة التي تواجهها في حرمانها أصلاً من الميراث، أو إجبارها على الزواج، في أوساط اجتماعية لا تعدّ المرأة كائناً كامل الأهلية، وتمارس عليها ضروباً غير مرئية من الأذى المعنوي؟

ستتخلص قضية المرأة من تلك الشوائب التي تجللها حينما يتوقف ذلك الفصل الحديدي بين قضية المرأة وغيرها من القضايا، وحينما يُنظر للمرأة بأنها جزء من المنظومة الإنسانية المتكاملة التي يشكّل الرجل شقها الآخر، ومنهما معاً تتكون الأسر ويعمر الكون. وهو ما يعني أن قضية المرأة لا يجوز أن تناقش بمعزل عن موقع شريكها في الحياة، أي الرجل.

وحين يكون هناك توجه حقيقي للانتصار للمرأة، وتحديداً المرأة المظلومة أو منتقصة الحقوق، فلا بد أن يبدأ ذلك من الرجل ثم عموم المجتمع، بإقناعه أن للمرأة قضايا حقيقية، وباستبعاد تلك الشكلية أو الثانوية، لأن هذا أجدى من مجرد استحداث القوانين التي تمنح المرأة نسباً عالية لا تحتاجها في التمثيل السياسي، أو سنّ قوانين تعارض الشريعة الإسلامية التي انتصرت للمرأة كما لم تنتصر لها أية منظومة تشريعية أرضية، فأحكام السماء دائماً تنسجم مع حاجات وطبيعة البشر، لأنها من صنع خالقهم، العارف بطينتهم، وما يلائمها وما يتنافر معها.

 

بماذا يفيد المرأة أن يُستحدث قانون يتيح لها الزواج من غير المسلم أو يساوي بينها وبين الرجل في الميراث، بينما تتلخص المعضلة التي تواجهها في حرمانها أصلاً من الميراث، أو إجبارها على الزواج، في أوساط اجتماعية لا تعدّ المرأة كائناً كامل الأهلية، وتمارس عليها ضروباً غير مرئية من الأذى المعنوي

 

تقول كثير من التجارب والمشاهدات إن المرأة تزهر إبداعاً وتميّزا إن حظيت بوسط اجتماعي يتّسم فيه الرجل بالرقي العقلي، وما يتفرّع عنه من قيم المروءة والشهامة والتقدير للمرأة واحترام إرادتها، بينما تنطفئ شعلتها إن كان الرجال من حولها مستبدين صغاراً يمارسون على المرأة تعسّفاً يشبه ما يفعله بهم طغاتهم من الحكام.

لذلك يبدو مهماً أن تربي المرأة الأم في بيتها رجالاً مكتملي الأخلاق، وأن تغرس فيهم معاني تقدير المرأة وصون حقوقها المادية والمعنوية، لا أن تضخم فيهم نزعة الاستعلاء على شقيقاتهم واستشعار الأفضلية والتمتع بالامتيازات الأسرية دونهن، فمن محاضن الأسر تتكون الفضائل أو الرذائل في النفوس، وعليها ينشأ الصغار.

إن كان من نصيحة عابرة للمرأة في يومها، فهي أن تتخيّر لنفسها رجلاً يحسن عشرتها وألا تغتر بالمظاهر، مادية كانت أم معنوية، فالسعادة ليست مقترنة بالترف، مثلما أنّ الرجل الأصيل قد لا يكون بالضرورة صاحب فكر واسع أو ذا مستوى تعليمي عالٍ، فكمّ المتناقضات من حولنا تقول إن كثيراً من البسطاء في الظاهر أعمق وأوعى وأنبل من بعض أصحاب الألقاب ومحترفي التنظير في الفكر والحريات، ومن بينها حرية المرأة.

أما المرأة الأم، فلتنظر في غرسها، ولتهتم بتشذيبه وتحسينه بعيداً عن التنميطات التربوية المتوارثة، التي تصنع عبيداً ومستبدين في آن واحد، يخضعون للأعلى ويستقوون على الأدنى، أو من قررت تقاليد المجتمع بأنه أدنى.

وإن كان لا بد من تكريم لأحد في يوم المرأة، فيجب ألا تستثنى منه تلك الفئة من الرجال التي أكرمت النساء وصانت حقوقهن، وعاملتهن بنبل الأخلاق وبوحي من فهمها لجوهر ديننا الذي كرم الرجل والمرأة ابتداءً واستبعد وذمّ تلك العنصرية البغيضة التي تتحيز للرجل دون المرأة، منذ أن نزلت الآية الكريمة التي استقبحت فِعل مَن إذا بُشّر بأنثى “ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم”.

الوسوم

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.